فهرس الكتاب

الصفحة 55 من 70

يقع بيتنا الصَّغير المتواضع هناك في حي راقٍ من أحياء أعالي المدينة، هو البيت الوحيد في الحي الذي ظل عبر عشرات السنين بغرفه الصغيرة المبنية بالحجر والاسمنت يقاوم الزمن ملتصقًا بالأرض، بينما ارتفعت حوله من كل الجهات"فيلات"وقصور فخمة ذات طوابق وغرف متعددة، ولولا أن موقعه في قمة الهضبة الذي جعله يشرف على كل الجهات، ومكنه من أن يظل يتمتع بنور الشمس طول النهار، لكانت"الفيلات"الفخمة والقصور قد حجبته، وحجبت عنه كل شيء.

في هذا البيت الصغير المتواضع يلاحظ الناس القريبون منه، والمارة عبر الشوارع الممتدة بجانبه ارتفاع علم جميل رائع جديد .وذلك بالضبط خلال يومين معينين في السنة هما يوم عيد الثورة، ويوم عيد الاستقلال.

تلك هي قصة جدتي والعلم

-لا تنسَ... غدًا تقوم باكرًا، لكي تساعدني على رفع العلم، ووضعه في مكانه.

كانت هذه تقريبًا هي العبارات التي ترددها على مسمعي.. كل سنة، وقبل أن أنام عشية عيد الثورة، أو عيد الاستقلال وهي تفتح أمام عيني العلم الجميل، بعد أن تخرجه من صندوق خشبي مزخرف، وتتفحصه جيدًا قريبًا من المصباح الكهربائي، لتتأكد من أنه مايزال مثلما كان جديدًا وجميلًا...

وكنت لا أنسى أبدًا النهوض باكرًا، بل لقد كنت لا أكاد أنام وأنا أفكر بأهمية دوري في رفع العلم فوق بيتنا عاليًا، لقد كانت هذه المهمة تملأ ذهني وتشغلني إلى درجة إنني عندما أنام، كثيرًا ماكنت لا أرى في أحلامي إلا العلم وأنا أقوم بمهمة رفعه، وإن كنت أرى في منامي في بعض الأحيان أحلامًا مزعجة جدًا، كأن أسقط من قمة الشجرة العالية التي تتوسط بيتنا والتي نعلق العلم عادة في أعلاها، أو أن يفلت العلم من يدي ويطير في الفضاء، وأنا أمد يدي وراءه محاولًا الإمساك به، وقد كنت أحيانًا أملك قدرة عجيبة على الطيران في الفضاء الواسع، فأطير.عالمًا أني لن أتمكن من الإمساك به، ويكون ذلك عادة أثناء الليل، فلا يراني أحد وأنا أطير وحدي فوق"الفيلات"والقصور الفخمة، وفوق المدينة كلها متجهًا في سرعة عجيبة نحو العلم... وهناك أحلام أخرى كثيرة لا أذكرها جميعًا، وهي ليست كلها سيئة، والمهم أنني كنتُ عندما أقوم في الصباح، أشعر بسرور وفرح عظيمين، وخاصة عندما أكون قد حلمت أحلامًا مزعجة، مع العلم أن الأحلام المزعجة كثيرًا ماكانت توقظني في أثناء الليل وأنا أصيح، أو أتحدث بعبارات مبهمة ومختلطة...

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت