فهرس الكتاب
وقد ذكرت لي جدتي مرة، والتي كنت أنام معها في غرفتها بأنني قلت كلامًا كثيرًا مبهمًا ومختلطًا، وأنها لم تفهم منه سوى لفظة"العلم"، وأنني ظللت عدة لحظات أتلفظ في اضطراب شديد بذلك الكلام إلى أن أشعلت جدتي الضوء، وحملت العلم الذي كان بجانبها أمام عيني وهي تقول لي:
-إهدأ... اهدأ... انظر، لا تخف... لا تخف شيئًا، انظر، ها هو العلم...
ولم يرجع إلي هدوئي واطمئناني إلا عندما فتحت عيني على العلم، فقبلته، وعدت إلى النوم.
كان ذلك قبل حوالي ثلاث سنوات، والواقع أن جدتي هي التي حكت لي عن كل شيء في الصباح، أما أنا فلم أتذكر شيئًا أطلاقًا مما جرى...
لقد بدأت مساعدة جدتي في تعليق العلم منذ سنوات فقط، أما قبل ذلك فقد كنت صغيرًا لا أستطيع صعود الشجرة العالية، كما أن جدتي كانت على الرغم من كبر سنها ما تزال تتمتع بكامل صحتها، كما روى لي أبي وأمي عدة مرات، مما جعلها آنذاك لا تقبل حتى مساعدتهما في القيام بمهمتها، وكانت تجد متعة كبيرة في القيام بها وحدها...
كانت جدتي تعمل دائمًا على تحضير العلم في المساء، تخرجه من صندوقها الخشبي الجميل المزخرف حيث يكون مطويًا بشكل جميل في قماش أبيض نظيف تزيح عنه القماش الأبيض، تشمه، تقبله.. تغرق وجهها بين ثناياه.. تفتح طياته وتفرشه أمامها فوق السرير... تظل لحظات تتأمله جزءًا جزءًا... تتفحص بعمق مساحته البيضاء والخضراء، ثم تتأمل النجمة والهلال الأحمرين، وتتابع بعد ذلك أطرافه الحريرية الصفراء اللامعة الذهبية اللون، ثم تطويه مرة أخرى، وتعيده إلى القماش الأبيض وتضعه برفق فوق الصندوق الخشبي في انتظار الصباح...
في الصباح قبل طلوع الشمس بقليل، تبدأ جدتي عملها، حتى بتلك القصبة المتينة الطويلة التي تعلق العلم في طرفها العلوي بخيوط متينة، ثم بعد ذلك تحمل السلم الكبير وتسنده إلى جذع شجرة الصنوبر العالية، وتربط حبلًا قويًا في طرف القصبة السفلي، ثم تحملها، وفي أحد طرفيها العلم، وفي الطرف الآخر الحبل، وتصعد السلم الخشبي في هدوء واتزان حتى إذا انتهت درجاته التي تزيد عن العشرين كانت جدتي قد بلغت حوالي ثلث الشجرة، ومن هناك تواصل.الصعود معتمدة على الأغصان.القوية، فإذا اقتربت من أعلاها، وقد صارت تطل من فوق على سطوح"الفيلات"والقصور المجاورة بدأت تربط قصبة العلم بالشجرة بواسطة الحبل، وكانت تعمل بحيث يرتفع العلم بشكل واضح فوق أعلى الشجرة..