فهرس الكتاب
مازال الناس في حينا، وفي الأحياء المجاورة يلاحظون منذ سنوات كثيرة هذا العلم الكبير الجميل، يلاحظونه خلال يومين اثنين في كل سنة وقد ارتفع عاليًا، أعلى من كل البنايات، وكل الناس،وهو يهتز اهتزازات جميلة بسبب الهواء اللطيف القادم عادة من جهة البحر، من هناك من أعلى تلك الهضبة يطل علم جدتي -وهو يطل على كل أرجاء المدينة الكبيرة.... مرفرفًا، ومشرفًا عليها من الصباح حتى المساء.
سألت جدتي ذات مرة وكان يوم عيد الاستقلال، وكنت أساعدها على رفع العلم فوق الشجرة العالية:
-لم ألاحظ ياجدتي أنك نسيت رفع العلم ولو مرة واحدة في العيدين الوطنيين الكبيرين فما سر ذلك؟!
توقفت عن الاشتغال، واقتربت مني، وقد علت تجاعيد وجهها مسحة من الحزن الشديد مما جعلني أندم في داخلي على هذا السؤال، ولكن جدتي قبلتني في جبهتي، ثم قبلت العلم الذي كان في يدها، وقالت لي في صوت مؤثر حزين:
-لأجل هذا العلم يا ابني استشهد جدك واثنان من أعمامك، وآخرون كثيرون.. كثيرون جدًا... ولقد كنا محرومين من رؤيته، نعم، مجرد رؤيته نحن الذين عشنا في الزمن الماضي، كان بإمكاننا أن نرى أي شيء إلا العلم.. ذات مرة، وقد كانت الثورة مشتعلة، في ذلك الوقت كانت هذه الهضبة خالية تقريبًا من البيوت، كانت هناك بيوت صغيرة متفرقة متباعد بعضها عن بعض.قمنا في الصباح فإذا بنا نرى منظرًا رائعًا لم يسبق لنا أبدًا أن رأيناه من قبل... لقد رأينا علمنا العزيز مغروسًا في مكان واضح من الهضبة، لقد كان لمنظره وهو يرفرف هناك قريبًا من الأرض وقع خاص في نفوسنا، إنه منظر متفرد لن أنساه أبدًا...
ولكننا لم نلبث إلا قليلًا، وإذا بعساكر الأعداء يهجمون على العلم فينزعونه، ثم يهجمون على سكان الحي ضربًا وتنكيلًا كأنما قد أصابهم مس من الشيطان، جمعوا كل السكان، الرجال والنساء، وحتى الأطفال، وظلوا يستجوبونهم عدة أيام، وهم يفتشون في جميع بيوتنا، وفي كل مكان من الهضبة علهم يتوصلون إلى من له علاقة بذلك العلم...
كنت آنذاك أخبئ علمنا هذا الذي تراه أمامك والذي صنعته بيدي في غرفة نومي، تحت بلاط الغرفة بالذات.. كان مستحيلًا على الأعداء الوصول إليه، وكنت أخرجه من مخبئه كل مساء قبل النوم لأتمتع بمنظره الجميل قليلًا، ثم أعيده إلى مكانه السري.. لا أدري يابني لماذا نسي الناس هذه الأيام علمنا الجميل، فلم يعودوا يرفعونه فوق بيوتهم حتى في مثل هذا اليوم...