فهرس الكتاب
رذاذ خفيف كان ينزل، من حسن الحظ أن الغيوم السوداء لم تكن قد قررت إنزال حمولتها على رؤوس الواقفين بجانب سور المقبرة الممتد، كانوا ثلاث مجموعات، طال وقوفهم، جاءت المجموعة الأولى حوالي العاشرة، كان معظم أصحاب هذه المجموعة من عمال إحدى مؤسسات البناء، سقط زميلهم من الطابق الرابع فتوفي في الحين، كان ذلك بالأمس قبل الظهر.. هم لم يكونوا يريدون هذا الوقوف الطويل بجانب سور المقبرة الممتد.. لقد جاؤا ليشاركوا في دفن زميلهم..وفوجئوا عند وصولهم المقبرة بالمنع من الدخول، ظن السائرون في مؤخرة موكب الجنازة أن الأمر ربما كان يتعلق بنقص ما في الإجراءات القانونية الضرورية في مثل هذه الظروف... كانوا يتناقشون فيما بينهم، يطرحون الأسئلة ويجيبون، ثم جاء الجواب من مقدمة الموكب يوضح أن الأمر لا يتعلق بتاتًا بما كانوا يظنون، وعند ذلك فقط، وكأن الأمر كان مفاجأة تنبهوا إلى وجود حراس مسلحين بباب المقبرة، الأمر الذي لم يكن موجودًا من قبل حسب علمهم، ثم نبه بعضهم إلى أن الحراس لم يكونوا فقط بباب المقبرة بل هناك آخرون منتشرون في الشارع الواسع المقابل لها.. في الأمر إذن سر ما، قال الضابط السمين الواقف بالباب والذي كان يبدو عليه بعض التشنج، كما كان يبدو محمر العينين إلى حد ما، قال في صيغة من التساؤل والاستنكار لأحد أقارب المتوفى عندما اقترب منه يتساءل ويحتج على عدم السماح بالدخول لدفن الموتى:
-لا تناقشني أرجوك، ألم تسمع بما وقع؟! ألم تلاحظ أن المحلات جميعها مغلقة، وأن الأعلام منكسة، وأن لقد مات السيد.. مات البارحة، ونحن في انتظار موكب جنازته لكي ندفنه اليوم، لذلك يمنع دخول أي كان إلى المقبرة قبل دفن السيد ... ثم وصلت جنازة ثانية بعد حوالي ساعة من ذلك، كانت لامرأة متوسطة العمر قيل أنها توفيت في المستشفى بعد عملية جراحية ناجحة.. أدى بها سوء الحظ، والأجل على كل حال إلى السقوط من السرير العالي، في حوالي منتصف الليل... قال أحد الحاضرين في الجنازة، عندما عرف سبب هذه الوفاة مترحمًا ومستنكرًا:
-رحمها الله، على كل حال هو الأجل، ولكن لماذا يرفعون الأسرة عاليًا إذا كانوا لا يحرسونها..
وبعد دقائق من ذلك وصلت سيارة تاكسي، نزل منها عند باب المقبرة ثلاثة رجال، كان أحدهم يحمل بين يديه صبيًا صغيرًا يبدو من حجمه أنه توفي قبل أن يبلغ ستة أو ثمانية أشهر.