فهرس الكتاب
تلقى أصحاب الجنازتين الأخيرتين الإجابة نفسها من الحراس المسلحين عندما تساءلوا عن سبب المنع من الدخول:
-يمنع منعًا باتًا الدخول لأي كان قبل دفن السيد...
غير ممكن... ظلم.. لماذا؟!... أننتظر ثلاث ساعات كاملة على الأقل قبل أن ندفن موتانا؟! ثم إن السيد -رحمه الله- لم يوصِ بهذا، هل أمر قبل موته بمنع الدفن في يوم دفنه قبل أن يدفن هو؟! لا نظن ذلك... فالسيد كان طيبًا يحب الناس.. ثم إن المقبرة واسعة جدًا.. ونحن مجموعات قليلة، تتجه كل مجموعة إلى الجهة التي ستدفن فيها متوفاها، والقبور الثلاثة كلها بعيدة، هناك في طرف المقبرة، بينما قبر السيد يقع في وسطها بالضبط... رحمه الله.. لقد كان طيبًا جدًا... كان وهو حي يسكن في وسط الناس، وكانت وصيته أن يدفن بعد موته في وسط الناس أيضًا.. كانت داره في وسط المدينة بمثابة الخال في وسط الخد الأبيض، أو القمر في وسط السماء، كانت دارًا عظيمة حقًا، تتناسب -تمامًا- مع مقامه الرفيع.. يقال إنهم قاسوا الأمرين لكي يقنعوه بقبولها على ذلك الشكل.. هي في الواقع لم تكن دارًا، لقد كانت قصرًا، آه... وأي قصر... يقال إنه أمرهم أن يبنوا له بيتًا عاديًا ليسكن فيه كسائر الناس، ألا يحق له أن يكون له بيت كسائر الناس...؟! وبدأ البناء دون أن يكون السيد على علم بموقع البناء أو شكله. كان مشغولًا بهموم أخرى.. وما أكثر همومه...
وطال بالسيد الانتظار، واشتاق إلى دخول الدار، وكان كلما سأل عن الأخبار، قيل له صبركم سيدنا إننا نعمل بالليل وبالنهار، وقد اخترنا من العمال والمهندسين الأخيار القادمين من أطراف الدنيا، وأبعد الأقطار، فلا تقلق سيدنا فبيتك هذا سيكون سرًا من الأسرار...
أخيرًا.. اكتملت الدار، ودخلها السيد، فانبهر أي انبهار، خاصة وأنها كانت في موقع مرتفع وسط المدينة لا تبعد عن بقية السكان سوى ببضع مئات من الأمتار.
كان السيد يحب الناس، فأمر بإضافة برج كبرج المطار، وأن يجهز أعلاه بمنظار... وأي منظار..