فهرس الكتاب

الصفحة 64 من 70

تحرك المنتظرون مع موتاهم إلى الخلف، حملوا النعشين اللذين يرقد فيهما المرأة المتوسطة العمر والرجل العامل، أما الصبي الصغير فإن أباه ظل يحمله بين يديه منذ حضوره إلى هذا المكان، تراجعوا إلى الوراء في صمت رغم أنهم استنكروا جميعًا هذا الأمر.. السيد... السيد لا يمكن أبدًا أن يشمئز من منظرنا... لقد كان يحبنا... كان دائمًا، وفي كل مساء يجلس بجانب منظاره المقرب ساعة على الأقل ينظر إلينا، خاصة نحن الذين نسكن هناك في أطراف المدينة، السيد، كان يحب الجميع، فليس عبثًا أن يوصي بأن يدفن في وسط المقبرة، أي في وسط الجميع، إذ ماقيمة أن يعيش السيد وحده أو أن يموت وحده... ومثلما أزيحت عشرات البيوت التي يقال - نعم يقال- بأن أصحابها تبرعوا بمساحاتها لكي تبنى دار السيد، فكذلك أزيح كثير من القبور التي تبرع بها أصحابها لكي تضاف مساحتها لقبر السيد..

السيد يحب الناس ويحب أن يعيش بينهم حيًا وميتًا، قال قبل وفاته بقليل، وبعد أن تمنى له المحيطون به الشفاء العاجل، ودعوا له بالسلامة، قال بصوته المشبع حنانًا:

-أعرف، أعرف، الأعمار بيد الله، سبحانه، يفعل مايشاء، ولكني إذا مت فرجائي ألا تحرموني من العيش (الموت) بين الناس.. رجائي أن يكون قبري وسط القبور... أنا لا يمكنني أبدًا أن أحتمل الوحدة... الوحدة قاتلة... قاتلة...

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت