فهرس الكتاب

الصفحة 65 من 70

وكان يمكن أن يبنى له قبر عادي بحجم قبر أي واحد عادي من الناس، وهو في الواقع وكما يعرف الجميع كان متواضعًا جدًا، ولم يوص أبدًا بإزاحة مئات القبور لكي تتوفر كل تلك المساحة الكبيرة، ولكي تغرس فيها الأشجار والورود على شكل دوائر متناسقة، ثم تصنع مساحات أخرى دائرية بعضها من الاسمنت المزخرف، وبعضها الآخر من الرخام الصلد والمرمر الأحمر، فلا يصل المرء إلى القبر إلا أخيرًا ليجد -وذلك طبعًا بعد أيام من دفن السيد- بناء رخاميًا رائعًا مكعبًا مستطيلًا مرتفعًا عن الأرض بحوالي ثلاثة أمتار، وهو يتدرج من أسفل إلى أعلى بشكل تنازلي، أي أنه عريض القاعدة، وكلما ارتفع علوه نقص عرضه بشكل جميل متناسق التدرج، إلى درجة أن المرء وهو يقف أمامه -وقد كثر بالفعل زواره بعد مدة غير طويلة من دفنه- يقف لا لكي يترحم على من بداخله، وقد نسيه تمامًا ولكن لكي يتفرج على هذه التحفة النادرة الجمال، لولا أنه ينتبه بعد قليل إلى تلك الكتابة المذهبة والتي حفرت بخط جميل على تلك القطعة الرخامية الكبيرة التي ترتفع عند رأس السيد، والتي تذكر باسمه، وتاريخ ميلاده ووفاته، بالإضافة إلى سرد بعض مآثره -وما أكثرها- ومناقبه، ثم تنتهي بالترحم على روحه الزكية الطاهرة النقية..

لقد صار قبر السيد وسط المقبرة تمامًا مثلما كان قصره وسط المدينة، والقبر كالقصر، وبعض الناس يسمون المقبرة مدينة، ولكن السيد لم يكن يريد هذا، فمثلما كان يريد بيتًا عاديًا، كذلك كان يريد قبرًا عاديًا، إلا أنهم خدعوه، ومثلما خدعوه في البداية كذلك خدعوه في النهاية هم الذين خدعوه.. كان يحب الناس، ويحب أن يعيش وسط الناس، لكنهم أبعدوه عنهم، هم الذين أبعدوه...

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت