فهرس الكتاب
قال أبو الصبي للضابط: إننا أربعة فقط، أنا وأخي وابن عمي، وجاري، الطفل صغير والقبر صغير.. ندخل بسرعة: نضع الطفل في القبر.. نغطيه ببعض الصفائح؛ ثم نهيل التراب... حتى الصلاة لن نصلي عليه.. هو طفل... ملاك.. نصف ساعة، ويكون الأمر قد انتهى، إذا رأيت أن العدد كبير يمكن أن ندخل فقط أنا وأخي، أو حتى أنا وحدي، الأمر في الواقع لا يحتاج إلى أكثر من واحد، ثم حتى لو افترضنا أن موكب جنازة السيد وصل وأنا داخل المقبرة، فليس في الأمر أي ضرر أو خوف، لأن قبر الصبي يقع بعيدًا في طرف المقبرة، تمامًا مثلما يقع بيتنا بعيدًا هناك في طرف المدينة.. أرجوك سيدي... أتوسل إليك... لقد تركت أمه تكاد تجن من البكاء، المسكينة.. باعت ماتبقى من أساورها لكي تذهب به إلى الطبيب وتشتري له الدواء، وماتبقى من ذلك قدمته لي لكي أدفع أجرة التاكسي من البيت إلى هنا، والمسافة بعيدة.. سيدي الضابط، أرجوك، يكفي التعب والانتظار الذي عانيناه قبل الحصول على سيارة تاكسي، كان كل صاحب تاكسي يرفض نقلنا بعدما يتوقف، ويرى بين يدي الصبي المتوفى بحجة أن عددنا كبير، ولكن سيدي، الدنيا لا تخلو من أبناء الحلال -وأنت ابن حلال- أخيرًا توقف صاحب تاكسي. كانت ملامح وجهه تنبئ بالطيبة الواضحة، أمرنا بالركوب قبل أن يسألنا إلى أين، وعندما وصلنا رفض أخذ الأجر... مازال سيدي في الدنيا خير...
كان قلب الضابط يكاد يلين لولا وصول السيارة السوداء، وصدور الأمر بالتقهقر إلى خلف عطفة جدار المقبرة...
لم يجد أبو الصبي بعد ذلك مايقوله، كان التعب باديًا على وجهه، لم ينم منذ يومين، كما لم يكد في هذين اليومين يأكل شيئًا...
تراجع أصحاب الجنازات الثلاث إلى الخلف، إلى وراء عطفة السور الممتد، في انتظار وصول موكب جنازة السيد، اختفوا هناك وراء السور فلم يعد يراهم أحد...
وطال الانتظار.. ساعات كاملة قضاها الضباط والجنود كذلك بجانب المقبرة.. تأتي من حين لآخر سيارة تقف في الشارع الكبير مقابل باب المقبرة، يسرع إليها الضابط السمين ثم تقلع مخلفة وراءها الصمت..