خلقت منك أمك يا حمو عصفورًا غريدًا لأنها أيضًا كانت أنشودة حب رائعة فلماذا أتى من يقتل تلك الأنشودة.. من بعيد جاء خالك ذاك يحمل سكينًا يقطر سمًا. جاء وفي نفسه يتجمع تاريخ حقد قبيلته.. سنوات ظل يشحذ سكينه.. لكن أمك يا حمو كانت في موتها أيضًا رائعة. لقد حرمته من لذة قتلها ولم يرتو سكينه من دمها وقفل من حيث أتى مهزومًا..
فبمجرد نزوله في القرية كانت أمك بإحساسها تعرف ماذا يريد.. كان حين يحدثها يحاول أن يبعث في نفسها كل اطمئنان ولكن هيهات فأسنانه الصفراء ما كانت لتخدعها.. مثل غراب البين أتى.. جلب إلى القرية ألوان الحزن جميعًا.. وأمي من يوم هروبها كانت تعرف أنها لا بد ستقتل.. ولكن ولأجلي كانت تسعى لتمديد أيام العمر.. وأنا اليوم كبرت وها قد أقبل من يمحو العار.. فماذا ستفعل أمي هذي المرة؟
حين دعاها أن تمشي معه قليلًا على طرف النهر الهادر ليحدثها في أمر هام كانت تعرف بالضبط ما الذي يقصده أخوها وهي تعرفه، ولطافته هذه ليست أبدًا من عاداته. هي تعرفه شرسًا كالذئب تمامًا.. وهي قبل أيام تحسست سترته عندما كان نائمًا فوجدت بها سكينًا حادًا ليس لقطع الأزهار.. خرجت معه.. كانت يا حمو تبحث عنك بعينيها في كل مكان.. أرادت توديعك. لم ترك وحين تناهى صوت الناي إلى أذنيها من وراء الهضبات أحست أنفاسك تدخل في القلب ومشت نحو النهر ولم تتردد. لاحظت أن كل شيء عنده كان معدًا حتى أنه كان يعمل دائمًا على أن يجعلها تمشي بينه وبين النهر.. مياه النهر تهدر في قوة.. هذا النهر ياما يحمل من أسرار.. قويًا يجيء من المجهول ويمضي مثلما جاء قويًا إلى حيث لا يدري أحد.. هذا النهر السر سيضيف إلى آلاف أسراره سرًا آخر لكنه أجمل تلك الأسرار جميعًا.. ها قد وصلتما إلى هذا الجرف العالي.. من أعلى هذا الجرف لا يجرؤ أحد أن يرسل بصره إلى تحت ليتابع جريان النهر.. هذا الجرف بدوره الذي تملؤه الغربان حكاياته لا تحصى.. يقف أخوك يقترب من حافة الجرف ليجعلك بدوره تقتربين.. وفعلًا تقتربين ترينه وهو يمد يده إلى جيب المعطف.. ولكنك أسرع منه.. وحين تخرج يده السكين تكونين على مسافة أمتار نازلة نحو النهر فتسافرين بعيدًا..
قتلته يا امرأة.. لم يقتلك لقد كان جبانًا لم يدخل سكينته في قلبه ورماها بعيدًا في النهر وبكلتا يديه أمسك رأسه ورآه الناس يفر بعيدًا.. بعيدًا عن القرية..