فهرس الكتاب
ثمَّ إنّ الظروف المرحلية التي اجتازتها اللغة في بعض الأحيان، جعلت اللغة العربية تقتبس ممَّا يفد عن طريق لغات مثل الإنجليزية والفرنسية ذات الصدارة، بغية الإفادة في المجالات الفكرية والفلسفية والنقدية. وجعل أصحابها بعطاءاتهم النوعية لا يستقلون استقلالًا فكرياُ تامًا داخل حدود اللغة العربية بقواعدها ونحوها. أمر أفضى إلى اضطراب في المصطلح وعطل آليات الإبداع، والمساهمة في إنتاج الخطاب العملية في حقل ما من حقول المعرفة الإنسانية، وهذا التحصيل انعكس لا محالة على الوعي المنهجي في الثقافة العربية المعاصرة وأضعف حمولتها المعرفية في مجال تقاطع وتلاقي الحضارات14.
ولهذه العفوية في التعامل مع المصطلحات الغربية الوافدة، انتقل المصطلح اللسانياتي العربي إلى البيئة العربية عن طريق الترجمة والتعريب في بادئ الأمر، أكثر ممَّا نحا أصحابه إلى التوالد من داخل اللغة العربية الموسومة بنمائها، فغيروا كثيرًا من الألفاظ من حيث الكم، ووفروا اصطلاحات كثيرة من مدارس لسانياتية مختلفة.
والملاحظ، في هذه الجهود الفردية سمة العفوية في النقل، أي عدم اقتران الترجمة والتعريب بمبادئ منهاجية دقيقة، واتفاق مسبق، وحركات للأبعاد النظرية لمشكل المصطلح، أو المقاربة بين اللغات بغية التوصل إلى استنتاج رائع يتمثل في تربط وتقارب الأفكار البشرية على المستوى الفكري، أو الأخذ في الحسبان خصوصية كل لغة، فلكل لغة درجة من التعقيد، ولا يمكن بأية حال إجراء مقارنة أو تميز بين لغة متحضرة وأخرى بدائية15.