فهرس الكتاب
أمَّا وضع المصطلحية السيميائية في العالم العربي، فهو يختلف تمامًا عمّا مرّ عليه في أوروبا، ولم يرق بحكم التضارب المرجعي في المصطلحات المستعملة إلى بلورة نموذج مؤسس لخطاب علمي دقيق يضبط مفاهيمه وأدواته الخاصة به سلفًا 76 إلى درجة أن أصبح موضوع تداخل المصطلح اللسانياتي والسيميائي بالنقد موضع أخذ عند كثير من الباحثين. فعرض عدد غير قليل مصطلحات أجنبية للدراسة معبرة عن هوية علوم أخرى، بما يعني"أنّ اللغة كموضوع للدراسة قد درست من خارجها"أي من خارج المحيط الثقافي العربي. ومع ذلك، فالتاريخ لم يسجل ولو لحظة واحدة استقل فيها النقد العربي المعاصر استقلالًا تامًا من الناحية المصطلحية والمفاهيمية رغم تمتعه بهويته الذاتية منذ قرون ووعي المشتغلين به. وبدأت ملامح وضع المصطلحية السيميائية العربية منذ أن بدت النزعة البنيوية في مطلع القرن العشرين، على يد فرينارد دو سوسير بحيث بدأت الحملة على ما سبق في الدراسات العربية على كل ما هو تقليدي وظهر المصطلح السيميائي نتاجًا لهذه الحملة. وحين انزاحت النظرية البنيوية وفسحت المجال لنظريات تخصبت بغيرها من العلوم 68 وصار للسيميائيات السيادة في ساحة الدراسة النقدية العربية.
ثمَّ إنّ الناظر، في علاقة الدرس السيميائي بالنموذج الغربي وما نجم عن ذلك من تقارض مصطلحي ومفاهيمي، لا يسعه إلا الاعتراف بدور هذه الروافد الأجنبية في تقدم هذا العلم وتعميق مفاهيمه. 69 كما لا يسعه استغراب الأمر، لأنَّ وحدة الحضارة تحتم ذلك وتقضي به.
وعند استقراء واقع المصطلحية السيميائية العربية ومدى محظوظية المصطلح من هذا التداخل والانتقال بالمصطلح الفرنسي إلى النموذج العربي تبدو الاختلافات بين الباحثين العرب أنفسهم، وتؤثر سلبًا في تبليغ الرسالة العلمية وتفسّر جانبًا من جوانب الفشل في عملية التواصل بين القارئ العربي (المتلقي) وباث المعرفة السيميائية في أصولها المتجذرة.