الصفحة 169 من 358

فقد لاحظنا مثلًا، أنّ النقاد العرب ساهموا كثيرًا في نقل المصطلحات عن هذه النظريات. ولو بالتدريج عن طريق إيفاد البعثات إلى الخارج للتكوين في المدارس الأوروبية والأمريكية. وتارة أخرى سلكوا مسلك ترجمة المصطلحات بجوانبها السلبية والإيجابية عن هذه الثقافات، ومن وجهات نظر مختلفة. فساهموا في إغناء الثقافة العربية وأحيوا مصطلحات جديدة، فضلًا عن سعيهم إلى احتواء هذه المصطلحات الأجنبية بمصطلحية تراثية ووسائل عربية خالصة. وقد تمت هذه الجهود عبر تعقيبات أفصحنا عنها خلال هذا المبحث في الوضع والتحسن في النقل والترجمة وأخيرًا الإحياء والابتداع.

وكان لذلك أثر واضح في المؤلفات العربية المهتمة باللسانيات الحديثة، بحيث انقسم أصحابها إلى ثلاث فئات رئيسة: الأولى اهتمت بالترجمة، متمثلة في إسهامات صالح القرمادي ومعاونيه في ترجمة كتاب"الدروس"لفردينارد دي سوسير، تنظيرًا للمفاهيم والمصطلحات الألسنية، والثانية، توفيقية، تأثرت بفعل هذه الحركية الحداثية ومصطلحاتها، وحاولت التوفيق بين ما هو في التراث العربي الأدبي والنقدي ومعاجميته وما هو من مصطلحات ومفاهيم ألسنية حديثة، ودليل ذلك إسهامات علي عبد الواحد وتمام حسان وريمون طحان وسواهم من الباحثين، وفئة ثالثة تعدّت حدود التقليد والتوفيق إلى الإحياء والابتداع، وإن شئنا التنظير لمصطلحية عربية خالصة منقولة بطرائق وآليات عربية خالصة.

أرادوا من خلالها ابتعاث اللفظ القديم ومحاكاة معناه العلمي الموروث بمعنى علمي حديث يضاهيه، ونخصّ بالذكر في ـ هذا السياق ـ إسهامات مازن الوعر، وعبد السّلام المسدي، وميشال زكريا، وسواهم من الباحثين.

بالعموم، وبخصوص انتقال المصطلحات إلى البيئة العربية، لقد زوّدتنا اللسانيات الحديثة وبالأحرى علم المصطلح أو"المصطلحية الألسنية"بمصطلحات ونظريات أساسية تعدّ مفاتيح لمعالجة القضية المطروحة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت