الصفحة 78 من 358

تحدث القدامى عن الترجمة وما كانوا يقصدون غالبًا إلا نوعًا خاصًا منها الترجمة الأديبة أما اليوم فأصبح معنى الكلمة شموليًا بحيث أنّه يمكننا أن نتكلم عن الترجمة العلمية والفنية والتقنية والتجارية والصناعية والصحفية وبالتجاوز عن الإذاعية والسينمائية وحتى عن تلك التي تتم بالآلات الإلكترونية ولا يهمنا في هذا المقام تبيان ما للترجمة من فضل في تأمين الحاجات العلمية والتقنية للعالم بأسره بل يهمنا إقامة الدليل على ما للترجمة من فضل في تنشيط التفاعل بين الآداب العالمية على اختلاف أنواعها.

ثم أن الترجمة عملية معقدة تقع على مفترق طرق علوم متعددة كعلم الألسنية وعلم النفس والمنطق والفلسفة والتربية والحضارات... ولكن لم تحاول أي من هذه العلوم سبر أغوارها وإدراك كنهها فاكتنفها الغموض وكانت من العلوم الغيبية التي تحيطها هالة من السرّية وقد لمس بعض أساتذة الألسنية مثل هذه النظرية وهالهم أمر هذا الشطط فتنبهوا إليه منذرين بالخطر الذي ينجم عن تقبل نظرية الترجمة كفن منوهين بما يجري في عالمنا الحاضر من تقدم في الأبحاث العلمية يؤدي إلى اعتبار الترجمة علمًا بأصول يحتاج إلى علوم مساعدة.

ترجع الترجمة كنوع من أنواع النشاط الإنساني إلى أعماق الماضي إلى فجر البشرية ولولا هذا النشاط لتعذر علينا الإطلاع على الثقافات المختلفة كالثقافة الفارسية والثقافة الهندية والثقافة اليونانية.

وقد عرف العرب قديمًا أهمية الترجمة فعنوا منذ زمن الأمويين لاسيما في زمن العباسيين بنقل تراث اليونان والفرس والهند ولقد أغدق الخلفاء العباسيون الأموال الضخمة على المترجمين فأذكوا الترجمة والنقل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت