لقد كانت مسألة العقوبة المالية من المسائل المهمة التي بحثها الفقهاء واختلفت وجهات نظرهم فيها، واضطربت أقوالهم وأحكامهم. فهي من القضايا الجديدة التي طرأت على الحياة العامة في الدولة الإسلامية، فكان لزاما أن يبحثوا لها عن سند شرعي يؤكدها أو يبطلها، ولذلك جاءت آراءهم في شأنها مختلفة ومضطربة، إلى درجة أننا لا نكاد نستقر على رأي واحد داخل مذهب واحد [1] .
وكان فقهاء المذهب المالكي أكثر المذاهب الفقهية اهتماما ببحث هذه المسألة، وتفصيلا للكلام فيها، بحثوها في إطار تفريعهم لمسائل الاستدلال المرسل المسمى عندهم بالمصلحة المرسلة، وهو المعنى المناسب الذي يربطه به الحكم ويلائم تصرفات الشرع، ويوجد له جنس اعتبره الشارع في الجملة بغير دليل معين [2] . وهو طريق من طرق الاستدلال بالنصوص الشرعية، مفاده أن المسألة وإن لم يشهد لها نص معين، فقد شهد لها أصل كلي علمت ملاءمته لتصرفات الشرع من مجموع نصوصه.
وكانت المسألة كذلك من المباحث الفقهية المهمة في كتب المغاربة الذين اشتغلوا بالمسائل التي جرى بها العمل [3] . والعمل مصطلح خاص بهم، معناه: العدول عن القول الراجح أو المشهور في بعض المسائل إلى قول ضعيف فيها، رعيا لمصلحة الأمة وما تقتضيه أحوالها الاجتماعية [4] ، بناء على قاعدة"تغير الأحكام بتغير الأزمان"، وهي قاعدة مكنت فقهاء المذهب المالكي من الانفتاح على عصورهم واستنباط الأحكام الملائمة لما استحدث من القضايا في أزمانهم [5] .
المسائل التي جرى بها العمل عندهم مسألة العقوبة المالية، وقد أشار إلى ذلك عبد الرحمن الفاسي في نظمه لعمل أهل فاس فقال:
(1) : راجع بتفصيل: العقوبة المالية وتطبيقاتها بالمغرب 1/140ـ232.
(2) : الاعتصام 2/115ـ123ـ والموافقات 1/16.
(3) : العرف والعمل في المذهب المالكي: عمر الجيدي 488/492.
(4) : نفس المرجع 342.
(5) : نفس المرجع 312 وما بعدها ـ وقارن مع 143 و158.