فهرس الكتاب
ولا أريد أن ادخل في تفصيل الحديث عن بداية هذه الدولة والأعمال التي قام بها أبو زكرياء والذين جاءوا من بعده، وحسبنا أن نذكر أن بداية ظهور الدولة الحفصية كانت على يديه، لنترك المجال للحديث عن الفترة التي عاشها القاضي الشماع في كنف هذه الدولة. يقول ابن قنفذ"ومن الله بالدولة الحفصية العمرية، وأنار بها الآفاق الإفريقية، وحرك لانتشار كلمتها الملك أبا محمد عبد الواحد ابن الشيخ المقدس المجاهد أبي حفص فنشر ذكرها، وأظهر أمرها، وخلفه ابنه الأمير أبو زكرياء فزاد في محاسنها" [1] .
ليس الغرض من الحديث عن هذه الفترة هو تفصيل القول في أحداثها وظروفها وأحوالها، ولذلك سأقف عند العلامات الكبرى التي ميزتها من الناحية السياسية، وأثرت بشكل كبير على الحياة العامة في الدولة الحفصية. ويكن تقسيم هذه الفترة بحسب هذه العلامات إلى مرحلتين:
أولا: مرحلة الانقسام والتفكك
ثانيا: مرحلة التوجه نحو التوحد وإعادة الاستقرار.
المرحلة الأولى (748 هـ/772 هـ )
ظهرت على مسرح الأحداث في هذه المرحلة مجموعة من الأمور كادت تفضي إلى انقراض الدولة الحفصية. وأجملها فيما يلي:
1-وفاة السلطان أبي بكر الحفصي فجأة في 2 رجب 747 هـ، والناس كما يقول ابن خلدون"في غفلة من الدهر، وظل ظليل من العيش، وأمن من الخطوب تحت سرادق من العز، وذمة واقية من العدل، إذ ريع السرب، وتكدر الشرب، وتقلصت ظلال العز والأمن، وتعطل فناء الملك، نعي السلطان أبو بكر فجأة من جوف الليل، فهب الناس من مضاجعهم متسائلين إلى القصر يستمعون نبأ النعي. وأطافوا به سائر ليلتهم تراهم سكارى وما هم بسكارى" [2] .
(1) : نفسه
(2) : العبر 6/807 - وانظر: الأدلة النورانية 102-107 - وتاريخ الدولتين 66- والمؤنس 143-144.