ولهذه الغايات الأسمى، والأهداف المثلى، وضع الإسلام من الأحكام والتشريعات والتدابير ما يمكن الهداية من الضمير الإنساني، ويغلب أصول الخير في الإنسان، ويكفل له الاستقامة في الفكر والسلوك والإحساس، ويقطع عنه مسالك الفساد والانحراف والتخلف الخلقي، ويصهر شخصيته في بوتقة القيم والمثل العليا التي دعا إلها، ويوجه إرادته وسلوكه ووجدانه وفكره في إطار القواعد الكلية والمبادئ العامة والمقاصد الشرعية التي شرعها وسنها، وذلك من جانب الوجود ـ على حد تعبير الإمام الشاطبي ـ بتشريع الضمانات والحقوق والالتزامات التي تكفل له الكرامة والعدالة، ومن جانب العدم بوضع التدابير الزجرية لقمع كل اعتداء على الحقوق، وقطع كل سلوك مشين، واستئصال بذور الجريمة ومظاهر الانحراف، وحماية المجتمع من كل أنواع الفساد والانحلال.
وقد أدرك فقهاء الإسلام بعمق هذه التدابير الزجرية وأثرها في حماية الحقوق، وصيانة الفضائل، وتحقيق الكرامة والعدالة والأمن. يقول شهاب الدين القرافي من المالكية:"إن الشرع خص المرتبة العليا بالوجوب وحث عليها بالزواجر صونا لتلك المصلحة عن الضياع، كما خص المفاسد العظيمة بالزجر والوعيد حسما لمادة الفساد عن الدخول في الوجود تفضلا منه تعالى عند أهل الحق" [1] .
ويقول الماوردي من الشافعية:"والحدود ـ العقوبات ـ زواجر وضعها الله تعالى للردع عن ارتكاب ما حظر وترك ما أمر به، لما في الطبع من مغالبة الشهوات الملهية عن وعيد الآخرة بعاجل اللذة. فجعل الله تعالى من زواجر الحدود ما يردع ذا الجهالة، حذرا من ألم العقوبة، خيفة نكال الفضيحة، ليكون ما حظر من محارمه ممنوعا، وما أمر به من فروضه متبوعا، فتكون المصلحة أعم والتكليف أتم" [2] .
(1) : الفروق 3/94 ـ وانظر معه: الموافقات للشاطبي 2/182 و191 ـ وحاشية العدوي على الرسالة 2/263.
(2) : الأحكام السلطانية ص:221.