وقد كان بديهيا أن يعنى الفقهاء ببحث التدابير الزجرية والمشكلات الجنائية في ظواهر الإجرام المختلفة، فكما اهتموا ببحث الحقوق والالتزامات والأحوال المدنية والشخصية، اهتموا كذلك ببحث ظاهرة الإجرام، ووسائل ردعها على أسس المبادئ العادلة، فعرضوا لبيان أنواع الجرائم والعقوبات التي تناسبها، وحددوا لكل نوع مجاله وشروطه للتطبيق، وميزوا على هذا الأساس بين نوعين من العقوبات: عقوبات مقدرة، حددتها نصوص الكتاب والسنة بصفة مطلقة، فلا يجوز تبديلها أو تعديلها بالزيادة فيها والنقص منها، وعقوبات غير مقدرة، ترك الشرع أمرها إلى سلطة القاضي واجتهاده وحقه في تقدير أجناسها وأوصافها ووسائل تنفيذها. وقد عرف الفقهاء هذه السلطة تحت لفظ"السياسة الشرعية"، يقول الطحطاوي:"السياسة استصلاح الخلق وإرشادهم إلى الطريق المنجي في الدنيا والآخرة.. للقضاة تعاطي كثير منها، حتى إدامة الحبس والإغلاظ على أهل الشر بالقمع لهم لاختبار حالهم.. وإن لم يرد بذلك الفعل دليل جزئي" [1] .
(1) : حاشية الطحطاوي على الدر المختار 2/392 ـ وانظر: حاشية ابن عابدين 3/147 ـ 175 ـ وقارن مع تبصرة الحكام لابن فرحون 2/132 ـ والطرق الحكمية لابن قيم الجوزية 5/13/25 ـ وما ذكره الدكتور علي راشد في: القانون الجنائي / المدخل وأصول النظرية العامة ص: 668.