و السر في هذه المرونة هنا ، و التشدد في المواقف السابقة:أن المواقف الأولى تتعلق بالتنازل عن العقيدة و المبدأ ، فلم يقبل فيها أي مساومة أو تساهل ، و لم يتنازل قيد أنملة عن دعوته .. أما المواقف الأخيرة فتتعلق بأمور جزئية ، و بسياسات وقتية ، أو بمظاهر شكلية ، فوقف فيها موقف المتساهل (1) ..
هكذا يتجلى الهدي النبوي في ضرورة التمسك بالثوابت الإيمانية العقدية ، وضرورة التجديد والاجتهاد في طرائق السياسة وخطط الإصلاح .
ثانيًا: يتمثل الحفاظ على الثابت في رفضه - صلى الله عليه وسلم - كل دروب الابتداع فيما يتعلق بالعبادات، والمناسك، و صور التقرب إلى الله تعالى، لأن الأصل في العبادات الحظر والتوقيف ، فلا يُعبد الله إلا بما شرعه و أذن به، لا بما تستحسنه العقول، وتستسيغه الأهواء ، فهذا هو باب الغلو وأصل التحريف و التزييف في الدين .. و لا غرو أن أغلق الرسول - صلى الله عليه وسلم - هذا الباب بإحكام و إصرار بمثل قوله:
"من أحدث في أمرنا هذا ما ليس فيه فهو رد" (2) .
"... وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة" (3) .
و تتمثل المرونة في تشجيع الابتكار والاختراع في أمور الدنيا - المعينة على الدين - مثل أدوات الحرب التي تدخل في قوله تعالى:
(1) انظر: يوسف القرضاوي: الخصائص العامة للإسلام ، ص ص 209 - 212 .
(2) صحيح ـ عن عائشة: رواه البخاري (2\ 959) ، ومسلم (3\ 1343) .
(3) صحيح ـ من حديث العرباض بن سارية: رواه أبو داود (2\ 610) ، والترمذي (5\ 44) ، وأحمد (4\ 126) ، والدارمي في سننه (1\ 57) ، والحاكم في المستدرك (1\ 174) ، وصححه الألباني في الجامع الصغير (432) ، والمشكاة (2\ 36) والصحيحة (6\ 238) وصحيح الترغيب (1\10) .