{ وَأَعِدّواْ لَهُمْ مّا اسْتَطَعْتُمْ مّن قُوّةٍ وَمِن رّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوّ اللّهِ وَعَدُوّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللّهِ يُوَفّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ } [الأنفال: 60 ] و مثل سائر الصناعات الحربية و المدنية المختلفة ؛ التي تشير إليها الآية الكريمة: { وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ َ } [الحديد: 25] . و لهذا رأيناه - صلى الله عليه وسلم - يحفر الخندق حول المدينة في معركة الأحزاب، ويستخدم المنجنيق في معركة الطائف، و يحث على الإنتاج الحربي حتى يجعل صانع السهم كالمجاهد الرامي في استحقاق المثوبة عند الله ، و يحذر الأمة أن تكتفي بالزرع وتتبع أذناب البقر (1) . .
ولعل حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - الذي يقول فيه:
".. أنتم أعلم بأمر دنياكم" (2) .
يفتح الباب في هذا المجال ، للاجتهاد والتجديد .
وبهذا تتجلى صفة المرونة في التشريع والمشرع، كمظهر من مظاهر الوسيطة في التشريع.
المبحث الثاني
الاعتدال .. مظهرًا من مظاهر الوسطية
المطلب الأول: شهادة علماء الغرب:
يقول"ول ديورانت"- عن النبي - صلى الله عليه وسلم -:
"أوجد بين المسلمين.. درجة من الاعتدال والبعد عن الشهوات لم يوجد لها نظير في أية بقعة من بقاع العالم" (3) .
وهذه الخاصية تعني أن محمدًا - صلى الله عليه وسلم - في نظرته للأمور وعلاجه للمشكلات يقف موقفا وسطًا لا إفراط فيه ولا تفريط .
"وهذا الاعتدال بدوره يمهد السبيل نحو تقدم الأفراد والمجتمع" (4) على حد قول ماري أوليفر .
(1) انظر: يوسف القرضاوي: الخصائص العامة للإسلام ص216 ، 217
(2) صحيح ـ من حديث أنس: رواه مسلم (4\ 1836) .
(3) ول ديورانت: قصة الحضارة ، ص 13 / 68 - 69 .
(4) انظر: عرفات كامل العشي: رجال ونساء أسلموا ، 4 / 144