الصفحة 16 من 21

وقد أفرزت كل هذه الخلافات العنيفة فرق جديدة حاولت البحث في النصوص الشرعية عن طريق الابتداع والمقارنة مع آراء الفرق السابقة والتأثر أيضا بعقائد الشعوب والبلدان المفتوحة، كالوثنية الفارسية والهندية والديانة اليهودية والنصرانية.

ومن هنا نشأت فرقة القدرية كأقدم الفرق في عهد متقدم، على يد رجل اسمه معبد الجهني والراجح انه قال بهذا الرأي المبتدع متأثرا بفكر النصارى في القدر على يد استاذه سوسنة- او سنسوية النصراني الفارسي، وقد أسلم ثم تنصر قال الامام الاوزاعي:- اول من نطق في القدر سوسن العراق، كان نصرانيا فأسلم ثم تنصر، فأخذ عنه معبد وأخذ غيلان القدري عن معبد" [50] ".

وكانت محنة القدرية الكبرى عدم الالتزام بالنص وقفزهم على الحقائق القرآنية حيث لم يسعهم ما وسع النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه الكرام وجمهور الامة في القرون المفضلة الاولى، فراموا فهما للعقيدة فوق فهم صاحبها عليه الصلاة والسلام وفهم اصحابه الكرام، فأنكروا العلم الالهي السابق وظنوا ان اثباته يعني الجبر للإنسان فشبهوا المخلوق بالخالق في محدودية العلم وخفيت عليهم حكمة الخالق في خلق المؤمن والكافر والطائع والعاصي، فنفوا العلم الالهي وهم بذلك كانوا اسبق في النفي له من نفاة الصفات الإلهية، بل هم الذين اسسوا لهذا الابتداع المنحرف.

ويعتبر انكار القدر منهجا جديدا اتخذته الفرق المبتدعة للطعن في النصوص والتشكيك بها، وهذا المنهج له خلفياته ومسبباته، من التأثر في الامم التي اختلط بها المسلمون ففتحوا ابواب الجدل والمقارنة مع الاديان الاخرى، والتي استهوت ضعاف اهل العلم الذين لم ترتقي مستويات فهمهم الى مستوى القران والسنة، فخدعتهم عقائد وطروحات الامم الاخرى.

ولعل اول شخصية قدرية أي منكرة للقدر كانت شخصية معبد الجهني، شاب نشأ في العراق وتنقل في اطراف بلاد فارس والشام، ثم التقى بنصراني فارسي اسمه سوسنه او سنسويه اسلم ثم ارتد، فلقنه عقيدة انكار القدر واعتنقها وبدأ يقول بها وينشرها في اوساط المسلمين الجدد الذين لا حظ لهم من العلم بقداسة النصوص ودلالتها فانساق خلفه جملة من المنكرين

لقد غابت حقائق النصوص الشرعية عن هذه العقول والنفوس المهزومة، فتاهت بهم السبل في غمرة الافتتان في الفكر النصراني والفارسي حتى تعطلت لديهم ملكة الفهم للنصوص وحسن الاستدلال بها والاستنباط منها في عقلية نفاة القدر وتحلقت افكارها حول ايات من الكتاب العزيز عجزوا عن فهمها او اكمالها او معرفة معانيها، فنشأت القدرية تنكر العلم الالهي فشقت في فكر الامة طرقا جريئة على النصوص ممهددة بذلك الطريق امام طوائف الجهمية والاعتزال حيث اتسع الخرق على الراقعين وتوسعت دوائر الشك والإنكار التي ابتعدت عن حقائق النصوص وأوجدت حالة جديدة ابعد ما تكون عن روح الدين عقيدة وشريعة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت