إِذَا نَسَخُوا الصُّحُفَ فِي الْمَصَاحِفِ رَدَّ عُثْمَانُ الصُّحُفَ إِلَى حَفْصَةَ وَأَرْسَلَ إِلَى كُلِّ أُفُقٍ بِمُصْحَفٍ مِمَّا نَسَخُوا وَأَمَرَ بِمَا سِوَاهُ مِنْ الْقُرْآنِ فِي كُلِّ صَحِيفَةٍ أَوْ مُصْحَفٍ أَنْ يُحْرَقَ" [14] ."
ثم ظهرت أوليات الأفكار والآراء التي ترعرعت في نفوس أعداء الدين الجديد، فقد عكف أرباب الأديان على قراءة القران وتوجهت الحرب إلى ذات النص بالبحث عن مسائل لها خلفياتها في عقائد من قالوا بها.
ولكن المزاج العام للأمة لم يكن قادرا على تحمل أية مطاعن نصية فكانت الطريقة الجديدة هي الدخول في الفتنة وسفك الدم وبروز الخلاف الذي تحت غباره بدأ تناول النصوص لتأييد الآراء والمذاهب الهدامة.
فكان مقتل عثمان رضي الله عنه وما تبعه من فرقه وخلاف مدخلا للولوج إلى النصوص بصورة عدائية، وكانت بواكير ذلك في بروز فكر الخوارج والشيعة أولا، حيث برز هذا الخلاف بصورته الكاملة في مفاهيم اندفاعية قاتلة على يد الخوارج أخذت طابع الغلو والتطرف، ومنهج شكي ماكر يخفي ذلك بحب آل البيت على يد الشيعة، حتى قيل إن هذين المنهجين كان يغذيهما اتجاه واحد وهو العبث بالنص واستخدامه في مآرب أرباب الأهواء.
وعندما برز هذا الجانب ووضحت صورته أصبح هدفه الأساسي هو الاعتداء على النص وتزييفه خضوعا لمقالات أرباب البدع الجديدة.
4 -الخليفة الراشد علي بن ابي طالب:-
ثم جاء عهد الخليفة الراشد علي بن أبي طالب بعد اضطراب الأمور باستشهاد الخليفة عثمان رضي الله عنه، وقد نشأ وضع جديد معقد، وكان هو الرجل المؤهل لحسمه في إشكالية النظرة للنص واتخاذه ذريعة لتمزيق شمل الأمة فقد خرج عليه الخوارج رافعين المصحف بصورة هستيرية متطرفة يطوفون الأسواق ويصيحون لا حكم إلا لله حكمت الرجال ولم تحكم كتاب الله.
روى الإمام مسلم عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى رَافِعٍ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- أَنَّ الْحَرُورِيَّةَ لَمَّا خَرَجَتْ وَهُوَ مَعَ عَلِىِّ بْنِ أَبِى طَالِبٍ - رضي الله عنه - قَالُوا لاَ حُكْمَ إِلاَّ لِلَّهِ. قَالَ عَلِىٌّ كَلِمَةُ حَقٍّ أُرِيدَ بِهَا بَاطِلٌ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- وَصَفَ نَاسًا إني لأَعْرِفُ صِفَتَهُمْ فِى هَؤُلاَءِ «يَقُولُونَ الْحَقَّ بِأَلْسِنَتِهِمْ لاَ يَجُوزُ هَذَا مِنْهُمْ - وَأَشَارَ إِلَى حَلْقِهِ - مِنْ أَبْغَضِ خَلْقِ اللَّهِ إِلَيْهِ مِنْهُمْ أَسْوَدُ إِحْدَى يَدَيْهِ ظبْىُ شَاةٍ أَوْ حَلَمَةُ ثَدْىٍ» . فَلَمَّا قَتَلَهُمْ عَلِىُّ بْنُ أَبِى طَالِبٍ - رضى الله عنه - قَالَ انْظُرُوا. فَنَظَرُوا فَلَمْ يَجِدُوا شَيْئًا فَقَالَ ارْجِعُوا فَوَاللَّهِ مَا كَذَبْتُ وَلاَ كُذِبْتُ. مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاَثًا ثُمَّ وَجَدُوهُ فِى خَرِبَةٍ فَأَتَوْا بِهِ حَتَّى وَضَعُوهُ بَيْنَ يَدَيْهِ. قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ وَأَنَا حَاضِرُ ذَلِكَ مِنْ أَمْرِهِمْ. وَقَوْلِ عَلِىٍّ فِيهِمْ زَادَ يُونُسُ فِى رِوَايَتِهِ قَالَ بُكَيْرٌ وَحَدَّثَنِى رَجُلٌ عَنِ ابْنِ حُنَيْنٍ أَنَّهُ قَالَ رَأَيْتُ ذَلِكَ الأَسْوَدَ. [15]