الصفحة 9 من 21

فاتخذ هؤلاء البغاة الحكم بالمصحف غطاء لفكر غال متطرف، عماد وجوده السيف والقتل والتكفير، وقد هيأ هذا الواقع ظروفا متاحة في المستقبل لكثير من الفرق للتعامل مع النص القرآني بجراءة اكبر لم يعهدها المسلمون من قبل.

وقد أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى حصول هذه النقلة وهي بروز التأويل الخاطئ للنص القرآني، والذي هيا الله له الخلفاء الراشدون لإبطاله وإظهار زيفه كما فعل على رضي الله عنه، روى الإمام أحمد بسند صحيح عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( إن منكم من يقاتل على تأويله كما قاتلت على تنزيله قال: فقام أبو بكر وعمر فقال: لا ولكن خاصف النعل وعلي يخصف ) )" [16] "، وهذا ما أبينه في الفقرة التالية بإذن الله.

المبحث الثاني: الخوارج ومفاهيمهم المعوجة للنص:-

لم تكن الفتنة التي اخبر عنها حذيفة بن اليمان عندما سأله عمر عنها هي بقتل عمر رضي الله عنه فقط، وإنما كانت الفتنة بانفتاح أبواب اكبر من خلال العبث في النصوص حسب أهواء أرباب الفرق، فقد بدأ الخوارج بداية ساذجة في التعلق بالقران والحماسة له، وكانوا يلقبون بالقراء أصلا وهم الذين أخبر عنهم النبي صلى الله عليه وسلم واكبر ميزة لهم هي عدم فهمهم للنص على الصورة الصحيحة.

روى البخاري عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه و سلم وهو يقسم قسما أتاه ذو الخويصرة وهو رجل من بني تميم فقال يا رسول الله اعدل فقال (ويلك ومن يعدل إذا لم أعدل قد خبت وخسرت إن لم أكن أعدل) ، فقال عمر يا رسول الله ائذن لي فيه فأضرب عنقه؟ فقال (دعه فإن له أصحابا يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية ينظر إلى نصله فلا يوجد فيه شيء ثم ينظر إلى رصافه فما يوجد فيه شيء ثم ينظر إلى نضيه - وهو قدحه - فلا يوجد فيه شيء ثم ينظر إلى قذذه فلا يوجد فيه شيء قد سبق الفرث والدم آيتهم رجل أسود إحدى عضديه مثل ثدي المرأة أو مثل البضعة تدردر ويخرجون على حين فرقة من الناس، قال أبو سعيد فأشهد أني سمعت هذا الحديث من رسول الله صلى الله عليه و سلم وأشهد أن علي بن أبي طالب قاتلهم وأنا معه فأمر بذلك الرجل فالتمس فأتي به حتى نظرت إليه على نعت النبي صلى الله عليه و سلم الذي نعته) [17] .

وكان علي بن أبي طالب رضي الله عنه يبحث عن الأدلة التي تقوده إلى فهمهم وهي الرجوع إلى الأخبار النبوي عنهم، وكان يقول لهم (: لكم علينا ثلاث: ان لا نمنعكم المساجد، ولا من رزقكم من الفئ، ولا نبدؤكم بقتال ما لم تحدثوا فسادا) " [18] "

ولكن هذه الحركة انتقلت من حال الفهم النظري القاصر للنص إلى مفاهيم الفعل الشاذ الذي اخبر عنه النبي صلى الله عليه وسلم وذلك أنهم (يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان لئن أنا أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد) [19] وقد طبقوا هذا الفهم السقيم بقتلهم عبدالله

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت