فقياسك إياها على الأخذ من اللحية قياس فاسد الاعتبار، وعموم الأدلة تأمر بالإعفاء والترك وأما الأخذ من اللحية فلم يرد إلا في النسك، فأين هذا من ذاك؟.
ويقال لك أيضًا: إن القياس الأقرب أن يقال: الأخذ من اللحية في النسك كالقصر في السفر، فإن الأدلة العامة المرفوعة تدل على وجوب الإتمام فلما قصر الرسول صلى الله عليه وسلم وعلمنا أنه لم يرد القصر إلا في السفر تبين لنا أن هذا القيد مؤثر، وكذلك هنا فإن الأدلة العامة المطلقة المرفوعة دلت على وجوب الإعفاء فلما ورد علينا فعل ابن عمر مقيدًا بالنسك علما أن هذا القيد مؤثر، لأنه لم يرد في غير النسك.
ثم يقال لك: إن الأدلة التي استدللت بها (حديث ابن عمر، وحديث جابر، وحديث عطاء، وحديث ابن عباس في تفسير التفث وهو في الحج) كلها صريحة في أن هذا الأخذ كان في النسك.
بل حديث جابر الذي استدللت به نصه (كنا نعفي سبالنا إلا في حج أو عمرة) ، قد صرح فيه أنهم يعفون لحاهم في غير النسك، إذن ما فائدة نقلهم لقيد (في الحج والعمرة) ؟
وكيف يكون هذا القيد بعد ذلك غير مؤثر؟.
وقول عطاء الذي احتججت به (كانوا يحبون أن يعفوا اللحية إلا في حج أو عمرة) ، تصريح بأنهم يعفون لحاهم في غير النسك، وتصريح أيضًا أن معنى الإعفاء هو الترك مطلقًا [1] .
فمن أخذ من لحيته في غير النسك فقد خالف هدي سيد المرسلين لعموم أدلة الأمر بالإعفاء، وخالف هدي الصحابة بدليل حديثك الذي حسنته (كنا نعفي سبالنا إلا في حج أو عمرة) ، وحديث عطاء، وحديث ابن عمر، وحديث ابن عباس في تفسير التفث، وهذه عمدتك في الأخذ من اللحية.
فهل من مظاهر الإنصاف:
أن تستدل بجزء من حديث وتترك آخر؟ وتحاول تضعيف دلالته في الجانب الآخر مع أنهما سواء في الدلالة؟.
فهذا جابر قال (كنا نعفي سبالنا إلا في حج أو عمرة) :
لماذا لم تأخذ بأول كلامه، ومعناه: نعفي السبال في جميع الأحوال؟ بل أخذت بما استثناه، ثم عممته!!.
وهذا عطاء قال (كانوا يحبون أن يعفوا اللحية إلا في حج أو عمرة) :
(1) فقد ذكر عطاء هنا أنهم يحبون أن يعفوا لحاهم إلا في حج أو عمرة، وفي حديث جابر كذلك (كنا نعفي سبالنا في الحج والعمرة) ، فجعلوا فعلهم في الحج والعمرة مخالفًا للإعفاء، وإلا ما كان للاستثناء معنى، وهذا بيان أن أخذ ما زاد عن القبضة لا يسمى إعفاء بنصوص هذه الأحاديث التي استدللت بها.