المظهر الرابع:
اضطراب الشيخ دبيان في الاستدلال بقول الجمهور:
في المسألتين اللتين بحثهما الشيخ دبيان في كتابه الإنصاف: الأخذ من ما زاد عن القبضة من اللحية، والصبغ بالسواد، كان الاتكاء فيهما منه على قول الجمهور، وفهم فلان وفلان، وقد كانوا هم سلاحه ضد المنازعين لقوله.
وحينما تحتج عليه بقول أحد العلماء يرد عليك كما في كتاب التعزيز ص 40 قائلًا: (وهل رأي الشيخ يحتج به أو يحتج له؟) وعند مخالفتك إياه في الرأي يقول في تعزيز الإنصاف ص70: (أو تريد أن تحجر على فهمي وتلزمني بترجيحك وان أترك فعل السلف وفهمهم .. ؟) اهـ.
وهذا القول حق، ومن الحق أن يطرد قوله هذا في كل مسألة يقول بها، ففي حين جعل الجمهور سلاحه في وجه المنازعين في المسألتين السابقتين، بل وقال في الصبغ بالسواد -معرضًا عن النصوص على صحتها وصراحتها الإنصاف 142: (والقول بالكراهة أقوى، وهو قول السواد الأعظم من الأمة، بل إن التحريم إنما هو وجه عند بعض أصحاب الشافعي فقط، والوجه الآخر مكروه فحسب، وما عداهم من المذاهب الأربعة بين مجيز وكاره) ، مع أنه ذكر الروايات في صبغ بعض الصحابة بالسواد -ولم يصح منها إلا حديث واحد فقط هو حديث عقبة بن عامر كما صرح هو-.
وهنا تجد ملحظين على طريقة الشيخ هذه:
الملحظ الأول: أنه قال في المسح على الحائل ص 82 في بيان معنى الجمهور (لكن إذا كان كل مذهب له جمهوره الذين لا يتجاوزون قول إمامهم لم تكن الكثرة مظنة الإصابة) ، فما بالهم صاروا هنا مظنة الإصابة - وهم لا يتجاوزون قول إمامهم أيضًا-؟.
والملحظ الثاني: أنه حينما خالف قول الجمهور قال كما في كتابه المسح على الحائل ص82 -: (وكم من مسألة فقهية كان فيها قول الجمهور مجانبًا للصواب، ولو بحث فقط في مسائل العبادات التي خالف فيها الجمهور الدليل لوقع ذلك في مجلد ضخم .. ) اهـ.
أما هنا فالشيخ أكثر من بيان أن هذا القول قول الجمهور، وهو قول فلان وفلان، كما في كتاب الإنصاف ص 69 بعد ذكر بعض نصوص العلماء في الأخذ من اللحية قال: فقل بالله عليك من العلماء غيرهم؟ اهـ.
ولعلنا نضرب مثلًا واحدًا في مخالفة الشيخ دبيان لقول الجمهور حتى يتبين لنا أن هذا الكلام من الشيخ سلاح له يأخذه متى شاء، ويتركه متى شاء، فمن تلك المسائل التي خالف فيها الجمهور
(المسح على النعلين) ذكر في كتابه المسح على الحائل ص 85 وهو يرجح جواز ذلك أن المذاهب الأربعة لا يجيزونه، وذكر قول قوم لم يسمهم أنهم يجيزون ذلك، واختار قول هؤلاء المجهولين!!.