الصفحة 57 من 103

ولا ينبغي الاغترار بمثل هذه الكلمات الصريحة، وإظهار المفاجأة والدهشة عند سماعها، فإننا لو فكرنا مليا لوجدنا أننا نستخدم هذه الكلمات في حياتنا اليومية للدلالة على قوة الصلة، كقولك لأخيك:"أنا وأنت واحد"، تريد ألا فرق بينكما في سداد حساب الطعام، أو في أنك قضيت عنه دين، أو غير ذلك.

ولفهم النص السابق نعود فنقرأ السياق من أوله، فنرى بأن المسيح كان يتمشى في رواق سليمان أحاط به اليهود وقالوا له:"إلى متى تعلق أنفسنا؟ أن كنت أنت المسيح فقل لنا جهرًا."

أجابهم يسوع: إني قلت لكم ولستم تؤمنون. الأعمال التي أنا أعملها باسم أبي هي تشهد لي، ولكنكم لستم تؤمنون، لأنكم لستم من خرافي كما قلت لكم: خرافي تسمع صوتي، وأنا أعرفها فتتبعني، وأنا أعطيها حياة أبدية، ولن تهلك إلى الأبد، ولا يخطفها أحد من يدي، أبي الذي أعطاني إياها هو أعظم من الكل، ولا يقدر أحد أن يخطف من يد أبي، أنا والآب واحد" [1] ."

فالنص من أوله يتحدث عن قضية معنوية مجازية، فخراف المسيح أي تلاميذه يتبعونه، فيعطيهم الحياة الأبدية، أي الجنة، ولن يستطيع أحد أن يخطفها منه (أي يبعدها عن طريقه وهدايته) لأنها هبة الله التي أعطاه إياها، ولا يستطيع أحد أن يسلبها من الله الذي هو أعظم من الكل، فالله والمسيح يريدان لها الخير، فالوحدة وحدة الهدف لا الجوهر.

وهو في كل هذه النصوص يفرق بينه وبين الآب، فلم يقل أنا هو الله العلي القدير خالق السموات والأرض، والمستحق للعبادة.

لكن اليهود في رواق سليمان كان فهمهم لكلام المسيح سقيمًا - أشبه ما يكون بفهم النصارى له -، لذا"تناول اليهود أيضًا حجارة ليرجموه، ... لسنا نرجمك لأجل عمل حسن، بل لأجل تجديف، فإنك وأنت إنسان تجعل نفسك إلهًا".

فعرف المسيح خطأ فهمهم لكلامه، واستغرب منهم كيف فهموا هذا الفهم وهم يهود يعرفون لغة الكتب المقدسة في التعبير المجازي فأجابهم:"أليس مكتوبًا في ناموسكم: أنا قلت إنكم آلهة؟"ومقصده ما جاء في مزامير داود:"أنا قلت إنكم آلهة، وبنو العلي كلكم" (المزمور 82/ 6) .

أي فكيف تستغربون بعد ذلك مثل هذه الاستعارات، وهي معهودة في كتابكم الذي جعل بني إسرائيل آلهة بالمعنى المجازي للكلمة؟! فالمسيح أولى بهذه الألوهية المجازية من سائر بني إسرائيل"أن قال: آلهة لأولئك الذين صارت إليهم كلمة الله .. فالذي قدسه الآب وأرسله إلى العالم، أتقولون له إنك تجدف لأني قلت: إني ابن الله، أن كنت لست أعمل أعمال أبي فلا تؤمنوا بي .." [2] .

وهكذا صحح المسيح لليهود ثم للنصارى الفهم السيئ والحرفي لوحدته مع الآب، وهذا أسلوب في التعبير عن وحدة الهدف والمشيئة معهود في النصوص خاصة في إنجيل يوحنا، فهو يقول عن التلاميذ على لسان المسيح:"ليكون الجميع واحدًا كما أنت أيها الآب فيّ، وأنا فيك، ليكونوا (أي التلاميذ) هم أيضًا واحدًا فينا .. ليكونوا واحدًا كما أننا نحن واحد ... أنا فيهم وأنت فيّ" [3] ، فالحلول في المسيح والتلاميذ حلول معنوي فحسب، وإلا لزم تأليه التلاميذ، فكما المسيح والآب واحد، فإن التلاميذ والمسيح والآب أيضًا واحد، أي وحدة الهدف والطريق، لا وحدة الذوات، فإن أحدًا لا

(1) - إنجيل يوحنا (10: 30)

(2) - إنجيل يوحنا (10: 36 - 37)

(3) - (يوحنا 17/ 20 - 23)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت