فهرس الكتاب

الصفحة 100 من 553

وهو الصبر الذي يدعوه إليه اليوم البعض والإكتفاء بالدعاء وإنتظار الفرج الغيبي الذي لا يأتي على غير أهله، فالله حين قال (( إن الله يدافع عن الذين آمنوا، إن الله لا يحب كل خوان كفور ) )قال بعدها، وهو من تقويم الشطط لمن يفهم مدافعة الله عن المؤمنين على غير وجهها السنني الحكيم- (( أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير ) )ذلك لأن الله لا يدافع عن الذين يعصونه بترك الجهاد في سبيل الله، ويتركون الأخذ على يد الظالم، فإن من اعتقد هذا فإنما يطلب أن يغير الله سنته والله يقول (( ولن تجد لسنة الله تبديلا ) ).

إن هذه الآية رد على الجبرية التي صارت منهجًا لجموع المسلمين، ورفع الدعوة إليها مشايخ يدعون إلى العودة إلى كتاب الله والسنة -زعموا-، فإن الصبر الذي يدعو إليه القرآن أمة الإسلام هو الصبر على أداء الأوامر الشرعية والثبات عليها وتحمل ما يلاقونه في سبيل ذلك، وليس الصبر على ظلم الظالمين، وإفساد المفسدين، فإن هذا صبر لا يعرف في الكتاب والسنة، بل هو صبر البهائم لا صبر المؤمنين.

هذه الآية رد على من يخوف المجاهدين بالقتل والموت، والآيات التالية شارحة لهذا المعنى، لكن ليكن رد المجاهدين على القول إن الهزائم لا تقع للمؤمنين، ولا الصادقين، ولا لأتباع الأنبياء بهذه الآية - (( وكأين من نبي قتل معه ربيون كثير ) )، فوقوع الهزيمة في الأنبياء وأتباعهم لا يعني ما يريده المنافقون والمرضى ودعاة الطهارة الوهمية.

لقد شرحت الآية موقف قلوبهم ونفوسهم وعقولهم، فجاءت الآية التالية شارحة لمقالات الإيمان التي صدرت عنهم.

{وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين}

فهذا هو قولهم، وهو موقف الذي يثبت على الطريق، ويلزمها دون غيرها، ولكن يراجع أداءه فيها، ويقيم سلوكه في مواقفها وأحداثها، لا ليغير الطريق والمنهج، ولكن ليحسن أداءه ويتجنب أخطاءه.

لقد علم المعانون لرحلة الجهاد والبلاء في سبيل الله تعالى أن ضبط الأقوال إيمانيًا عند الشدائد أمر ليس هينًا، فإن الشيطان يزع النفوس لكلمات غير مهدية، ولكن ثبات الجنان وثقتها بالله تعالى، وتحديها لهذه الوساوس تُخرج الكلمات الإيمانية التي تعبر عن هذا الثبات والثقة، وهي كلمات تعلن أن النصر كان حليف الإيمان ضد الشيطان ونوازعه، وهذا الصراع يراه الإنسان المؤمن في كل طور من أطوار الحياة وأحداثها الكبار، ولذلك كانت مقالات الإنسان وخروجها على لسانه عند المحن والإبتلاءات ليس مجرد ألفاظ وحركات، بل هي تعبير عن صراع شديد وحاد في النفس، وكل كلمة تخرج تعني أن هذه الكلمة هي التي انتصرت على ضدها، وهي الأقوى في نفس صاحبها، وهذا جانب من جوانب الجهاد الذي يحياه الناس في حياتهم، فقوله تعالى:- (( وما كان قولهم .. ) )هو شهادة لهم أن هؤلاء المهتدين -الربانيين- لم ينسبوا حصول القرح إلا لأدائهم وأعمالهم، فلم يتهموا الله تعالى في وعده، ولم يتهموا دين الله تعالى، ولم يتهموا الجهاد وكونه الطريق الذي سلكوه أنه خطأ في الإختيار، بل راجعوا حسن علاقتهم بالله تعالى -ربنا اغفر لنا ذنوبنا-،"ومغفرة الذنب"هي المقصد الأول الذي يفقهه المهتدي وبالتالي يسعى لحصوله حين يعرف نعمة الإيمان، فهؤلاء السحرة الذين استجابوا لدعوة موسى عليه السلام في موقف إيماني فريد في التاريخ كان مطلبهم الأول حين حصلت لهم الهداية أنهم طلبوا أن يغفر الله لهم ذنوبهم كما قال تعالى في سورة الشعراء على لسانهم بعد سماعهم تهديد ووعيد فرعون (( إنا نطمع أن يغفر لنا ربنا خطايانا أن كنا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت