فهرس الكتاب

الصفحة 101 من 553

أول المؤمنين )) ، وهذا ما فقهته طائفة الجن الذين استمعوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن تلا عليهم القرآن كما قال تعالى في سورة الأحقاف على لسانهم وهم يدعون قومهم لإجابة محمد صلى الله عليه وسلم:- (( يا قومنا أجيبوا داعي الله وآمنوا به يغفر لكم من ذنوبكم ويجركم من عذاب أليم ) )، فمغفرة لذنوب هي أعظم النعم يوم القيامة، وقد ذكرت هذه النعمة في مواطن عدة في القرآن الكريم كما في سورة محمد، وذلك بعد أن ذكر الله تعالى صفة الجنة ونعيمها وما فيها من الأنهار فقال سبحانه وتعالى (( ولهم فيها من كل الثمرات ومغفرة من ربهم ) )وفي سورة التغابن كذلك جعلها الله نتيجة للإيمان وعمل الصالحات فقال:- (( يوم يجمعكم ليوم الجمع ذلك يوم التغابن ) )، (( ومن يؤمن بالله ويعمل صالحًا يكفر عنه سيئاته ويدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدًا ذلك الفوز العظيم ) )وهذا كثير في القرآن الكريم، يدرك به المهتدي قيمة هذه النعمة العظيمة، ولذلك كان من منّة الله تعالى على رسول صلى الله عليه وسلم في سورة الإنشراح أن قال له سبحانه وتعالى (( ووضعنا عنك وزرك ) )فإن الذنوب مرهقة للنفوس في كل جوانبها العلمية والعقلية والنفسية، لا يعرف هذا إلا المهتدون، ولذلك كان من نتيجة المعصية التي إقترفها ابن آدم الأول بقتل أخيه أن سلب الله تعالى منه هداية عقله حتى صار الغراب أهدى منه في هذا الباب فقال سبحانه (( فأصبح من النادمين ) )أي ندم على ذهاب عقله بسبب المعصية، وفي الآية التي قبلها حين ذكر قتله لأخيه أن قال سبحانه (( فأصبح من الخاسرين ) )أي خسر أخاه، ولذلك فالذنوب نقص في العقل وإرهاق للنفوس والأبدان.

فهؤلاء -الربيون- علموا هذا، فسألوا الله أن يكفر عنهم سيئاتهم ويغفر لهم ذنوبهم، وقد تقدم في كلام سابق أن هذا لا يستلزم وجوبًا وقوع الذنب، لكن المسلم المهتدي يعلم أن الجهل ذنب وأن الضعف ذنب كما أن المعصية ذنب، فهو يطلب مغفرة ذلك من الله تعالى.

{وإسرافنا في أمرنا}

والإسراف هو التفريط في الشيء، وهو ضد الإحكام والإتقان، فهؤلاء المهديون يطلبون من الله أن يغفر لهم إسرافهم وتفريطهم في أمرهم، وهو دليل أن الذنوب الدينية من المعاصي شأنها عند المسلم مثل الذنوب الدنيوية من عدم الإتقان والإحكام، وكلاهما يستوجب المغفرة والتكفير، لأن كليهما ضد أمر الله تعالى، وكلاهما يوقع في الخذلان والقرح والهزيمة، وهناك من أهل العلم من جعل الذنوب الأولى هي الصغائر وجعل الإسراف هنا في إقتراف الكبائر، والأمر أوسع من ذلك، فإن نسبة الأمر إليهم يجعل هذا الإسراف والتفريط في أمر الناس وحياتهم وشؤونهم، وهذا من فقه القرآن وهو أن الهزائم تصيب الأمة بذنوبها الدينية وتخليها عن شريعة ربها، وكذلك لعدم إتقانها لشؤون حياتها وأمور تدبيرها، وهذا الذي يشهد له التاريخ والواقع.

وهذا فيه دليل على نقد المهديين المجاهدين لأنفسهم، ومراجعتهم لما هم عليه دومًا، فإن القرآن يعلق كل ما يصيب الإنسان لما يعمل به هو، ولما تقترفه يداه، وأمر النقد الذاتي شديد على النفس، شديد على الفئات والجماعات، لكنه هو الطريق القويم لعدم تكرار الأخطاء، ولتصويب الطريق، ولتحقيق الأهداف، فالتوبة عن الذنوب يعني الإقرار بها، والخروج عنها، والتعهد بعدم تكرارها، وعندما تكون الذنوب تتعلق بالأمة فإن التوبة عنها لا يكون بالسر، بل بالإصلاح العلني والتقويم العملي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت