فهرس الكتاب
لكن ها هنا تنبيه لابدّ من بيانه لأهميته، وهو أن الذين يخوضون في أمور الأمة إنما هم أهل الكفاية فيها، وليس كل أحد، كما قال تعالى في سورة النساء واصفًا المنافقين: (( وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم، ولولا فضل الله ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلًا ) )فأمرهم الله في أمور الأمن العام والقضايا الكبيرة أن يردوها إلى قادتهم وأمرائهم وأولي الشأن منهم، ولا يجعلون الخوض فيه سببًا لدخول الشيطان والفرقة وحصول التخذيل كما يفعل المنافقون هذا تحت باب النقد الذاتي- زعموا-.
{وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين}
فهل يقول هذا من ولى الدبر؟ وهل يقوله من تبدل وتغير، واستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير؟
إن هذا الدعاء لا يدعو به إلا من ربط قوائمه في مصاف المجاهدين، ولا يدعو به إلا من أقام إقامة الصابرين في أماكنهم، لا يبدلون ولا يغيرون، ولا ييأسون من طول الطريق، ولا يتعبون من دعوتها.
إنهم ثبتوا، ثم دعوا الله أن يثبتهم، وصبروا ودعوا الله أن يصبرهم، ووقفوا مواقف النصر ودعوا الله أن ينصرهم، فهذا منهج المهديين الصالحين، وهو منهج المجاهدين المحمودين في دين الله تعالى، أما أولئك الذي يدعون إلى إصلاح الأمر ونقد الذات وتقويم المسيرة، وقد خرجوا من مواطن الجهاد، وذهبوا إلى مواطن السب والقدح في المجاهدين فأولئك لا يحق لهم القول، فهم منافقون لا يريدون الخير للأمة، ولا يريدون الإصلاح والإعمار، بل هم مثبطون، وسيستخدمهم الكفر كما يستخدم ورق الأوساخ حتى إذا انتهى منهم ألقاهم حيث مستقرهم الحقيقي، أي في زبالة الحياة والتاريخ، وهؤلاء وإن رفعوا شعار الإصلاح فهم في الحقيقة جبناء مخذولون، لأن كلماتهم ,مواعظهم لا تمد طريق الجهاد، ولا تصلح طريقه، ولا ترمم نقائصه، بل هي تمد الكفر بقوة، وتخذل المؤمنين المجاهدين، وتكشف العورات، وتعمق الجراح في النفس والبدن، وقد كثر هؤلاء اليوم، يدفع بعضهم الجبن حتى يأمن بطش الكفر به، وبعضهم الحسد أن رفع الله المجاهدين وقد توارى هو بعيدًا في منطقة الظل لتخليهم عن ذروة سنام الإسلام، وهم يخرجون على الناس في وسائل إعلامهم، حيث ترتفع فوق كلماتهم شعارات الكفر وعناوين أهل النفاق ضد الجهاد والمجاهدين، فيجلس أحدهم جلسة المنافقين ليفجر فجور الفاسقين في كشف العورات، وثلب المناقب، وطعن النبات الصالحة، ويزين له الشيطان أنه يريد الإصلاح، مع أنه يعلم من نفسه أنه جبان أو حسود أو حقود، أو قد اجتمع له ذلك كله، حيث أصابه سعار الكلاب فذهب ينبح في كل واد.
إن التوبة من الهزيمة إن وقعت، هو البقاء على غرز المؤمنين، والثبات في مواطن الجهاد، وتقويم الأخطاء وهو على نفس المسيرة والدرب، والصبر على المكاره، وعلى لأواء الطريق وصعوبتها، فهذا صبر يحبه الله تعالى، ويرضى عن أهله، وهم وراث الأرض حقًا، وهم وراث الأنبياء وأصحابهم.
إن المنقلب على عقبيه لا يحق له أن يقول لربه في لحظة خلوته (( وانصرنا على القوم الكافرين ) )وإن الذي يولي الدبر ويخلع عنه العذار بينه وبين الله لا يقول هذا الدعاء ولا يقدر أن يقوله بينه وبين علام الغيوب، وكذا الأمة التي ذهبت في وديان الأهواء والشهوات لا يحق لها أن تدعوا بهذا الدعاء، لأنه دعاء الذين دعوا قبله بقولهم (( وثبت أقدامنا ) )فأين أقدام هؤلاء حتى يقولوا هذا القول؟!