فهرس الكتاب

الصفحة 103 من 553

هذه رحلة هذه الأمة، وهذا قدرها، وهذه حياتها، حتى إذا فرغت من جهاد نصبت نفسها لجهاد آخر، وحتى إذا انتهت من قضية رمت بأبصارها إلى قضية أخرى، ولكن إن هي جلست وأخلدت للشهوات فإن أعداءها لن يتركوها بل هم سيأتون إليها حتى يتحقق الوعد الإلهي بأن الدفع هو سنة الله تعالى في هذه الحياة، لا تخلوا الحياة منها، والهارب منها كالهارب من قدره إذ سيجده أمامه في كل منعطف وعند كل باب.

{فآتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة والله يحب المحسنين} .

هذه هي النتيجة المحققة للقضايا المتقدمة:-

-إصلاح بينهم وبين الله بالتوبة.

-إصلاح لأمور حياتهم وجهادهم وأحكامها على وجهها السنني الصحيح.

-ثبات على طريق الجهاد والمدافعة، وقيام في مواطنه دون مفارقة.

-استمداد القوة من مصدرها وهو الله تعالى بعد استعداد الوعاء لها.

بعد هذا تكون النتيجة السننية الرحيمة لأهل الإيمان، حيث يأتيهم مطلبهم الذي يحبه لهم ويحبونه لأنفسهم:- ... {فآتاهم الله ثواب الدنيا} بالنصر والتمكين، وهزيمة أعدائهم، وانقلاب الحال من قروح فيهم إلى قروح في أعدائهم، ومن ألم فيهم إلى ألم في أعدائهم.

إنه ثواب، أي أجرًا، والأجر لا يكون بلا سبب موجب له، ولا يقع بلا عمل يؤديه صاحبه حتى يستحقه، فبعد أداء العمل يكون الثواب الملائم له، وهو النصر في الدنيا، وهو نصر يلائم الحال، ويلائم سنته، لا ما يتصوره الحالمون من نصر يتم فيه هلاك الأعداء وقطعهم بالكلية ليفرغوا بعد ذلك إلى شهواتهم وراحتهم، بل هو نصر يكون عدة لمعركة أخرى ونصر قادم، وحياة أخرى قادمة مع الجهاد.

وهناك قاعدة سننية لا تتبدل ولا تتغير، وهو أن عمل السماء إنما هو ظل لما يقع من الإنسان وعمله في الأرض كقوله صلى الله عليه وسلم لأسماء"لا توكي فيوكي الله عليكِ"، وقوله صلى الله عليه وسلم"أنفق ينفق عليك"وهذا من تمام عدل الله تعالى وحكمته في الخلق، وبهذا قامت السماوات والأرض. فلما كان هؤلاء الربيون في موطن النصر فآتاهم الله إياه، لأنهم أهله والمستحقون له، وحين تفرغ حياتهم من هذا الإستعداد فإن الله يمنعهم إياه ليعودوا إلى أنفسهم فيصلحونها.

وقوله تعالى: {فآتاهم الله ثواب الدنيا} هو إعمال للقاعدة (( من يعمل مثقال ذرة خيرًا يره ) )، والحال الأكمل- وهو حال نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه- هو أن ينال المرء ثواب الدنيا بالنصر والعزة والتمكين، وثواب الآخرة، بدخول الجنان، وهذا لمن جمع بين طاعة الله الدينية من الصبر والتقوى والإحتساب، وبين القوة والإرادة اللازمين لتحقق النصر في الدنيا، ولكن هذا الحال لا يكون كل وقت، إذ قد يعجز المسلم عن تحصيل القوة اللازمة للفعل، أو لعدم وجود الكفاية في القوة لدفع المانع لحصول النّصر التام، حينئذ يكون إنحياز المؤمن للتقوى والصبر والإحتساب، لأن الآخرة هي منتهى طلب المؤمن في كل أفعاله، أما الدنيا فقد تأتي وقد تذهب، وهذا لا يغير شيئًا من إختيار المؤمن، فإن هذا الدين حق على كل حال، وقد قتل كثير من الأنبياء، وقتل كثير من الصالحين

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت