فهرس الكتاب

الصفحة 104 من 553

وأتباعهم في أوقات الإستضعاف، وهم في مواقفهم الإيمانية من نبذ الجاهلية والإستعلاء عليها ورفض قيمها لحظة الإستضعاف هي نفس مواقفهم في لحظات القوة، لأن قيم الإيمان قيم مطلقة فوق الزمان والمكان، لكن أدوات الصراع قد تتغير لعدم وجود أدواتها الكاملة في كل وقت، ولكن هذا ممتنع قدرًا في أمة محمد صلى الله عليه وسلم، لوعد الله ببقاء الطائفة المنصورة المقاتلة، ولكن قد يوجد في بعض الأماكن دون بعضها الآخر، وهذا باب قدري لا مدخل للشرع فيه، فلا يجوز لأحد أن يمنع أحدًا من المسلمين على جهة الشرع بعدم القتال والجهاد في سبيل الله تعالى ما اختار هذا السبيل حتى في أوقات الإستضعاف، فإن وقت الإستضعاف يعطي الجواز بكف الأيدي مع بقاء مواقف الإيمان كما هو حال رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه في مكة، لكن وقت الإستضعاف لا يجعل الأمر واجبًا بالكف كما يريد بعض الجهلة أن يقول هذا اليوم، مع التذكير أن هذا ليس عامًا في كل أمة محمد صلى الله عليه وسلم، بل هو في بعض الأماكن دون بعض، والنبي صلى الله عليه وسلم منع خلو هذه الأمة من الطائفة المنصورة المقاتلة، وأما الإحتجاج بفعل عيسى عليه السلام آخر الزمان فالرد عليه بأمور:-

أولا:- هذا مما أذن لعيسى عليه السلام به من جهة النبي صلى الله عليه وسلم وذلك كالأمر بوضع الجزية عن المشركين وعدم قبولها منهم، إذ لا يكون لهم خيار إلا الإسلام أو السيف، فلا يجوز تعميمه إن كان أمرًا عامًا لجميع الأمة، وأما إن كان أمرًا فقط للمسلمين الذين هم تحت أمرة عيسى عليه السلام دون غيرهم فهذا لا يحتج به لأن الأمر كما تقدم أن الإستضعاف يكون في مكان دون مكان.

ثانيًا:- لقد بيّن النبي صلى الله عليه وسلم حال عيسى عليه السلام بعد أن يأمر أتباعه يومئذ بكف الأيدي عند خروج يأجوج ومأجوج، وذلك بأن يأمرهم بالهروب والإعتصام بجبل الطور، وهو أمر باعتزال الجاهلية والباطل وعدم الدخول فيهما، فهذا هو اختيار المؤمن إما الجهاد في سبيل الله تعالى، فإن لم يستطع فيجب إعتزال الباطل، ودعاة البدعة اليوم يحرمون الجهاد ويمنعونه، ثم يذهبون إلى العمل والرضوخ للباطل والدخول فيه تحت أبواب المصلحة الدنيوية والتي تعارض مصالح الدين والإيمان من كل وجه، ومع ذلك هم يزعمون إتباع أمر عيسى عليه السلام وأمر النبي صلى الله عليه وسلم وقد كذبوا.

ثالثًا:- إن يأجوج ومأجوج قد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بهلاكهم على جهة العذاب الكوني التام كما هي سننه مع أمم سابقة خلت، كقوم نوح وعاد وثمود ولوط وأصحاب مدين، وهذه السنة قد توقفت كما قرر كثير من أهل العلم بعد أن أمر الله موسى عليه السلام بالقتال وذلك بقوله تعالى في سورة القصص (( ولقد آتينا موسى الكتاب من بعد ما أهلكنا القرون الأولى بصائر للناس وهدى ورحمة لعلهم يتذكرون ) )فسنة إهلاك الأمم بالعذاب التام قد جاء بدلًا منها وهو جهاد هؤلاء الأعداء حتى يفصل الله بين الطائفتين، ففي يأجوج ومأجوج وهم من بني آدم يكون الإهلاك التام عن طريق النغف الذي يسلطه الله عليهم فيموتوا كنفس واحدة، فعلم عيسى عليه السلام بما سيكون- وهو نبي يوحى إليه، وبما أخبر به النبي أمته في مصائر هاتين القبيلتين- يأجوج ومأجوج وهي قبائل صينية- يكون أمره لأتباعه يومئذ أن لا تقاتلوهم، واعتصموا منهم بجبل الطور حتى يقع حكم الله تعالى فيهم، فإسقاط عيسى عليه السلام لوجوب جهادهم هو لعلمه بقدر هؤلاء بعد ذلك، وهذا الأمر يجعل القضية حادثة عين لا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت