فهرس الكتاب

الصفحة 105 من 553

يقاس عليها- وما كان على خلاف القياس فغيره عليه لا يقاس-، فمن يستطيع الإدعاء اليوم أن طائفة من الكفر لا بد لنا بقتالها، وأن مصيرها هو الإهلاك القدري التام، فنتركها بلا جهاد حتى يأتي يومها القدري بالهلاك؟. هذا لا يدّعيه أحد يملك عقلًا ولا دينًا، لكن -ولله الأمر من قبل ومن بعد- قد وجه من زعم في وقت ما، وفي وقتنا أن طائفة من طوائف الكفر لا تقدر الأمة على دفعها ولا مقاومتها ولا جهادها، فأوجبوا على الأمة الإستسلام لها، والدخول في طاعتها، فضلوا وأضلوا، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا.

والمسألة في حقيقتها على خلاف ذلك من جوه:- منها: أن الأمة في عمومها إلا طائفة منصورة قد تركت الجهاد، وصار حال الأمة كغثاء السيل، فامتنع النصر لعموم الأمة، مع وجود النصر لهذه الطائفة، فهي منصورة بما تحقق لها من إيذاء الكافرين وتعذيبهم، وشفاء صدور المؤمنين، وهذا نصر يعادل بل هو أكبر من مجموع ما تُقدّم هذه الطائفة، لكن ليس نصرًا لمجموع الأمة ولا لعمومها، لأن هذا النصر لا يتحقق بسبب قلة قليلة، وإنما بما تقوم الأمة بمجموعها به، من مباشر للجهاد ومن ردء له، ويكون النفاق محصورًا ضعيفًا مهانًا، لكن حال الأمة اليوم هو على الضد من ذلك، إذ أن أغلبها محكومة بالشهوات والأهواء، ومعرضة عن الجهاد وسبيله، حتى إن علماءها يعادون الجهاد ويفتون بحرمته وينفرون الناس عنه، فسبب الضعف هو الخذلان والمعصية، فواجب العلماء والدعاة أن يرشدوا الأمة ويعظوها حتى تقبل، على طاعة الله بالجهاد والإعداد له، لا أن يطلبوا من الطائفة المنصورة ترك الجهاد واللحوق بالمخذولين والجبناء وأصحاب الأهواء والشهوات، لكنهم يفعلون هذا لجهلهم وضلالهم وخذلان الله لهم وإعراضهم عن سبيل العلماء الراسخين, ومنها:- إن هؤلاء المخذولين من المشايخ وأصحاب العمائم واللحى لا يشفقون على المجاهدين ولا ما يلاقونه من تعب في جهادهم، لأنه بحمد الله تعالى لا يشكون لهم ما يلاقونه، ولا يرسل لهم المسجونون رسائل إستعطاف وإسترحام، بل إن هؤلاء المخذولين إنما شفقتهم ورحمتهم على أهل الشهوات والأهواء المعرضين عن الجهاد، فهؤلاء يصيب الجهاد شهواتهم ببعض التأثر فيصرخون متألمين أن الجهاد والمجاهدين قد أضرّوا بهم، فيسارع هؤلاء المتهوكون لنصرة هؤلاء ضد المجاهدين، فيزعمون أن الجهاد يأتي بالضد من مصالح المسلمين، وتحت هذه الدعوى الخبيثة يحرم المفتون من أهل الجهالة والضلالة الجهاد في سبيل الله.

بل إن واقعنا أبعد من هذا، إذ نجد أن طوائف الكفر الأصلي، وكذا مثلهم طوائف المرتدين يستنجدون بهؤلاء المفتين لينصرونهم ضد المجاهدين، فتجد المؤتمرات التي يدعى إليها هؤلاء إليها ليسبوا المجاهدين ويقولوا فيهم أشد الأقوال وأكذبها في دين الله تعالى.

لقد جاء على هذه الأمة الكثير من أمواج الشر، واجتاحتها الكثير من جحافل الكفر ولكنهم اقتدوا بالأنبياء وأتباع الأنبياء- )) فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين )) ثم كانت العاقبة لهم- والله يحب المحسنين-، أما هؤلاء المفتون والمشايخ وأزلام السلطان الجدد فقد ضرب الجبن قلوبهم، والخرف والفساد عقولهم فأتوا بمنكر من القول وزورًا، فهم يعلنون دومًا أن الأمة قد ماتت، وأن طوائف الجهاد تفسد على الموتى سباتهم، فهذا هو شعارهم وهذه دعوتهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت