فهرس الكتاب

الصفحة 106 من 553

قد يقول قائل:- ها أنت تقول إن طوائف الجهاد المنصورة بحالها هذا لن تصنع نصرًا كاملًا للأمة، ولن تغير إتجاه الريح، لأنها طوائف قليلة، والنصر العزيز التام لا يكون إلا بالأمة المجاهدة، إذًا ما هي مبررات هذه الطائفة إذًا؟ والجواب على هذا:-

-إن الإعذار إلى الله مقصد من مقاصد المؤمنين، وإقامة الشهادة على الخلق يحبه الله، ومن أجله بعث الله الرسل، فإن الكثير من الأنبياء لم يكن لهم إلا تابع واحد أو تابعين، فإن كان الأمر كذلك فلم أرسلهم الله تعالى إذًا؟

إن الله أرسلهم لأنه يريد الإعذار إلى الخلق، والمؤمنون الذين يقولون كلمة الحق فيقتلون ويسجنون قد لا يغيروا من الأمر شيئًا، لكنهم يعذرون إلى الله تعالى، وبهم تحصل الشهادة التي يحبها الله تعالى، وهذا هو معنى جواب الله تعالى للملائكة كما قالوا:"أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك"فقال الله تعالى:-"إني أعلم ما لا تعلمون"أي من القلة المؤمنة، وهي القلة التي لا تكون كذلك، بل هي مثلكم يسبحون بحمدي ويقدسونني ولأجلهم خلقت هؤلاء الخلق، وهذا فيه تنبيه آخر على مسألة تقدمت وهي مسألة المقاصد الشرعية، فإن الناظر المتأمل للقرآن الكريم يرى أن أعظم مقاصد المؤمن هو الآخرة، وكل عمل يعترض تحقيق دخول الجنة هو عمل مردود وباطل شرعًا، وإفراغ الدين من هذا المقصد يحول الدين إلى مجرد هياكل عملية لا روح لها، ويسلب خصوصية هذا الدين، وهذا ما نراه في الفقهاء الجدد، إذ صار الدين عندهم لا يفترق في شيء عن دعوات الإصلاح التي تدعو إليها بعض الجماعات التي لا يكون الإسلام دينها ولا مرجعها في الإصلاح، فيلتقون مع هؤلاء في منتصف الطريق، فيخدعونهم أنهم على شيء، وهذا كذب على دين الله تعالى، وكذب على هؤلاء المساكين الذين لا يؤمنون بالإسلام، لأن الواجب على الدعاة إلى الله أن يعرفوا الناس مآلاتهم في الآخرة، هذا هو رأس القضية وهو ركنها الأعظم، ومن أجل هذا بعث الله الأنبياء وأنزل الكتب، وتحويل الدين إلى شرائع عملية لإصلاح حياة الناس-وهو كذلك- دون إلتفات إلى الآخرة ومصائر الناس فيها إما إلى جنة أو نار هو تحويل باطل وإفساد لدين الله تعالى وتغيير لمقاصد الرسالة التي دعا إليها جميع الانبياء، فالمجاهدون منصورون بنوع من النصر الملائم لهم -وهو كثير ومبارك- ولكن إن كانت الأخرى وهي الهلكة العامة لهم في موطن من المواطن فهذا إعذار إلى الله، والله يحب هذا ويرضاه، مع التنبيه أن الهلكة الكلية لا تكون لتكفل الله بحفظ الطائفة المنصورة المجاهدة حتى تخرج الريح الطيبة فتقبض أرواحهم.

-إن هذه الطائفة تمنع تحقيق مقاصد الكفار في هذه الأمة، فإن مقاصدهم الأولى تحويل الناس عن دينهم، فوجود هذه الطائفة تشغل الكافرين بأنفسهم لما يلحقهم من الأذى من هؤلاء المجاهدين عن تحقيق مقاصدهم، لأن همّ الكافرين حينئذ هو القضاء على طائفة الجهاد المنصورة، فمن أجلها يجيشون الجيوش، وينفقون الأموال، ويبذلون الوسع والجهد، وهم يتألمون من نكاية هذه الطائفة بهم، فحينئذ يتركون للمسلمين هوامش من أعمال الدين التي تسعهم كأعمال النسك وغيرها، وكلما زاد إيلام المجاهدين لهم اتسع الهامش، ولكن حين لا تكون هذه الطائفة في مكان من الأمكنة فإن الكفر يتطاول على أصل الإسلام في نفوس الناس، وهذا ما يريدونه، فوجود طائفة الجهاد هو سياج الدين الأول في حياة المسلمين، كل المسلمين في الأرض، ولو علم المسلمون هذا لمدحوا جهاد المجاهدين، ولحمدوا لهم صنيعهم لأن المجاهدين هم من يدفع ثمن كل أعمال الدين التي تسمح الجاهلية به لهم، ولكن الكثير من

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت