فهرس الكتاب

الصفحة 107 من 553

أهل الأهواء والشهوات إنما يذمون المجاهدين لأن المجاهدين يذهبون عنهم بعض دنياهم وشهواتهم لا دينهم، والتاريخ والواقع يشهد لهذا.

-... إن وجود هذه الطائفة هو قدر إلهي رحيم لهذه الأمة، لأنها هي التي تعد الأمة حين تعمل العوامل القدرية عملها في إهلاك أمة من الأمم، ولذلك فإن الإستعداد للوراثة هو شأن العقلاء، وهو دين المسلمين، فمن يمنع من تغير الأوضاع حيث يبارك الله في القليل فيصير كثيرًا، وفي الضعيف فيكون قويًا؟! فإن هذا شأن السنن في الأمم بصفتها أمة وراثة وعزة وشهادة، والداعون إلى ترك الجهاد إنما يحكمون على هذه الأمة بالهوان والذلة حتى تقوم الساعة، وأما قولهم: إننا نصبر حتى يتغير الحال، فهو مجرد مقال لا حقيقة له، لأن الإعداد للوراثة هو دليل الصدق على تهيؤ المرء لهذه الوراثة -ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة-.

-... إن القلة قد تصنع النصر الكامل في مواطن، ويتحقق لها النصر والوراثة والغلبة وذلك ضمن ظروف سننية، وهذه الظروف فيها من الشروط القدرية الكثيرة، فقد توجد هذه الظروف ويتحقق الوعد الإلهي بالوراثة في مكان من الأمكنة، وهذا ما نراه في واقعنا، فمع سلطان الكفر الغالب، ومع ضعف المسلمين، ومع قلة الطائفة المنصورة إلا أنه بفضل الله يحصل تمكين رباني في بعض أراضي المسلمين، وبهذا يتحقق الوعد الإلهي، ولكن جهالة الفقهاء الجدد وعميان البصيرة لا يرون هذه الإنتصارات لأنهم يحصرون أمر الإسلام في مكان من الأمكنة، فإن حصل النصر فيها رأوه وإن لم يحصل فيها وحصل غيرها لم يعدوه شيئًا، وميزانهم في هذا هو ميزان أهل الأهواء والشهوات، فإن بلاد المسلمين الفقيرة لا يعدونها شيئًا إن حصل نصر للمسلمين فيها، بل هم يتعاملون مع التمكين على قواعد الجاهلية، حيث لا يرون التمكين إلا بالغلبة على العاصمة مثلًا في بلد من البلاد، ولا يعدونه نصرًا إلا إذا أقرت به الجاهلية واعترفت بكيانهم هذا، وهذه قواعد الجاهلية في الحكم والأسماء، وهو دخول المسلمين في سبيل المجرمين، ولذلك من عجائب دولة الإسلام الأولى أن هرقل - وهو حاكم على تخوم الجزيرة العربية- لم يسمع بأمر النبي صلى الله عليه وسلم ولا بأمر دولته وحكومته إلا بعد صلح الحديبية، وذلك بعد أن أرسل رسول الله صلى الله علي وسلم رسالته التي يدعوه فيها إلى الإسلام، فأرسل باحثًا في إيلياء (بيت المقدس) من يعرِّفه خبر هذا النبي كما هو مشهور من حديث أبي سفيان رضي الله عنه.

فهذه دولة النبي صلى الله عليه وسلم كانت تعيش في عزلة في عالم الحجاز (عن أي وضع خارج الجزيرة العربية) ، والمسلمون الجاهلون اليوم من قادة الفكر والرأي -زعموا- لا يرون قيمة لأي سلطان للمسلمين حتى يكون لهذا السلطان قبول من تشريعات الكافرين، وجهل هؤلاء بدين الله وسنن التاريخ ووقائع الحياة وفقه القرآن هو ما يجعلهم في حالة تنازل دائم للجاهلية حتى ترضى عنهم وتقبل بهم في داخل أحشائها وقوانينها، وهذا سبب رئيس من أسباب الخذلان وفوات النصر وضياع الفرص، فإن عدم شكر الله مبعثه أن المرء لا يدري نعم الله عليه، وهؤلاء يعطيهم الله النصر في أماكن ومواطن فلا يرونها لعدم إقرار الجاهلية بها، فلا يشكرون الله عليها ولا يقومون بما يجب من حق الله عليهم وحق الأمة كذلك، فتفوت عليهم الفرص، والحق أن المسلمين قد حصل لهم الكثير من النصر والتمكين، بل قد جاءهم في مواطن عدة لكنهم أنكروا نعمة الله لإحتقارها، فلم يشكروها ولم يحافظوا عليها فذهبت لغيرهم، وهذه سنة الله تعالى في الجاهلين والغافلين، وعمدة جهلهم أنهم يطلبون من أعدائهم الإقرار بهم والقبول لهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت