فهرس الكتاب
-إن جهاد أمة الإسلام اليوم في عمومه جهاد دفع، لا عن بيضة موجودة، بل دفع عدو يقيم بين أظهرها، ويستبيح أرضها وثرواتها ودينها وقيمها، ودفع هؤلاء الكفرة وجحافلهم لا يكون بالجيوش الجرارة الكثيرة، ولا بأعدادها الواضحة البينة، إنما يكون بالنكاية فيها، وذلك من خلال إرهاقها وإستنزافها بالضرب المتكرر المتتالي، وهذا يتحقق من خلال هذه الطائفة، فإن تكاليف البقاء في بلاد المسلمين حين يقاتلها المجاهدون، ويضربون جسدها الكبير في كل مكان يصبح بقاؤهم مكلف لشعوبهم ولملئهم المترف، وهذا ما يحقق الوعد بالنصر وهزيمة الكافرين والمرتدين، وهذا النوع من الجهاد يحتاج إلى صبر وثبات وتكاليف شديدة، أغلب من يدفعها هم المترفون والقاعدون والمتخاذلون، وهو نوع الجهاد الذي يحتاجه المسلمون في وقتهم هذا، إذ يبدأ أولًا باعتزال هؤلاء الكافرين، وهذا ما يسمى بالعصيان المدني في بعض صوره، ثم ما يتبعه من النكاية التي تدمي جسد هذا الفيل أو الدب الكبير، وبمجموع هذه النكايات يتحقق النصر الكبير، وهذا من فقه الحياة الذي لا يقدره أولئك الذين لا يفقهون إلا الأعمال النسكية به والتعبدية، فالجهاد في سبيل الله تعالى يحتاج إلى ثلاثة أركان لا يقوم إلا بها:- أولها هو الفقه الشرعي به، ومصدره الأول هو هذا القرآن الكريم، وهذا ما أحاول الإشارة إليه، وثانيهما: البناء النفسي، وهو جانب مختلط مع فقه الجهاد في القرآن لا ينفك عنه، وثالثهما:- هو فقه الحياة وسننها، ومنه فن الحرب والقتال، وإن القتال والحرب يمكن للمرء أدائهما في كل حال وفي كل وقت، إذ لكل حال ووضع طريقة للقتال والحرب والجهاد تلائمه لتحقيق هزيمة الخصم وإنه لا يقوم بهذه الأركان إلا أهل البصائر والنهى، وهذا لا يعرفه اليوم في أمتنا إلا المجاهدون، وأما غيرهم فقد يعرفون مسائل أحكام الجهاد، لكن ليس هؤلاء بفقهاء الجهاد الذين هم أهله، ولا هم أهل المدح في القرآن بأنهم المجاهدون والتائبون والصابرون، لأنهم لا يعرفون الجهاد كما هو في القرآن ولا كما هو في سنن الحياة والقدر، ولذلك فأغلبهم لا يدعون له، وإن دعى له البعض فإنهم لا يتصورون كيفية وقوعه.
- {فآتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة}
فهذا هو كمال العطاء الإلهي لمن ثبت وصبر حتى بعد أن أصابته القروح والجراح، أو أخفق في موطن من المواطن من تحقيق النصر، ولكن إن فاته ثواب الدنيا فله حسن ثواب الآخرة.
وثواب الآخرة جاء مفصلًا في آيات أخرى، إذ سيأتي ما أعد الله للشهداء، وأما الصابرون فهؤلاء يوفون أجورهم بغير حساب كما قال تعالى (( إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب ) )وأجور المجاهدين لا يعدلها أجر كما بين النبي صلى الله عليه وسلم، ولو لم يكن للجهاد إلا هذا الأجر الأخروي لكان حريًا بالمؤمنين أن لا يتركوه حياتهم، ولا ينكصو عن طريقه، ولا يستبدلوا به طرق الهوان والخذلان والجهالة، والإحتساب هو ركن الأعمال الإيمانية، ولا يصح العمل الصالح إلا به، بل وفي حقيقة الأمر لا يثبت على هذا الطريق إلا من كان الإحتساب هو شأنه في كل أعماله، وأما المراؤون وطالبوا الحياة الدنيا فإن ثباتهم إلى حين ثم تراهم ينكصون ويتراجعون. {والله يحب المحسنين}