فهرس الكتاب

الصفحة 109 من 553

فهذا هو ميزان الله تعالى في العطاء، فكلما قدم المرء لدين الله تعالى، وكلما أحسن كانت زيادة الله تعالى له كما قال تعالى (( للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ) )وقال تعالى (( والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم ) )وقال سبحانه (( ويزيد الله الذين اهتدوا هدى، والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابًا وخير مردًا ) )

هكذا نرى ربط قلوب المجاهدين الصابرين بربهم، حيث يرجون رحمته، ويطلبون مغفرته، وهو يعدهم بحبه لهم، وبإدخالهم الجنان يوم القيامة، وهذا مما يميز الشخصية المسلمة عن غيرها، فهي شخصية ربانية، قوام كل حركاتها وسكناتها من أجل الله، ومن أجل مرضاته، ومن أجل تحصيل حبه، وهم في استحضار دائم للجنة التي وعدها الله للمؤمنين، فهم يعيشون على هذه الدنيا، ويعملون بسننها، ويخوضون غمراتها، ولكن عيونهموقلوبهم في شوق للقاء الله تعالى.

إن الربانية هي عمدة شخصية المسلم، ولذلك هو دائم الذكر لربه، لا يفتر لسانه عن ذكر الله تعالى، وله علاقة وشيجة مع القرآن، فهو مصدر مدده، ومنبع حكمته، ومرجع كل قضاياه ومسائله، لا يترك قيام الليل، فإن قيام الليل شعار الصالحين، وهو وصية الله لنبيه في أوائل الآيات التي نزلت على قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم (( يا أيها المزمل، قم الليل إلا قليلًا ) )وهو الأمر الثالث الذي تلقاه من الله تعالى، فإن الأمر الأول هو (( إقرأ ) )وقد علق الله إكرامه له بهذا الأمر بقوله (( إقرأ وربك الأكرم ) )وكان الأمر الثاني (( يا أيها المدثر، قم فأنذر ) )مع أمور مع الإنذار تعينه وتشرحه، ثم كان الأمر الثالث وهو قوله (( يا أيها المزمل قم الليل إلا قليلًا نصفه أو انقص منه قليلًا أو زد عليه ورتل القرآن ترتيلًا ) )وقد جعل هذا الأمر الجليل معينًا على ما يجده في الدنيا من العناء والتعب في الدعوة وملاقاة الناس فقال (( إنا سنلقي عليك قولًا ثقيلًا إن ناشئة الليل هي أشد وطئًا وأقوم قيلًا، إن لك في النهار سبحًا طويلًا ) )ولذلك كان المجددون في التاريخ الإسلامي تجمعهم هذه الخصال الثلاث، خصلة العلم وسعته، فهم أوسع أهل زمانهم في القراءة الواعية الجدلية التي تحقق علمًا خاصًا، وخاصة علمهم في القرآن الكريم، وهم أكثر أهل زمانهم نذارة لقومهم وتعليمهم ما سيصلحهم في دينهم وتوحيدهم وكذا دنياهم، ويتميزون بالطاعات الربانية الخاصة بينهم وبين ربهم، من ذكر وقراءة قرآن وقيام ليل وكثرة خشوع وتأوه وإخبات، ويقترب المرء من صفة المجدد وكذا دخوله في الطائفة المنصورة كلما كان جامعًا لهذه الخصال، ولا يغرنك كثرة الكلام والتشقيقات، ولا الصراخ وعلو الصوت، ولا الأسماء والألقاب، فإن الزبد يذهب جفاءً، وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض.

{والله يحب المحسنين}

إن الربانية، وهو أن يكون للمرء المسلم علاقة خفية بينه وبين الله، وكما فسرها الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم:- (( أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك ) )هي مصدر قوة المسلم، وهي التي تحقق التأثير والتغيير في التاريخ والأمم، وقد أحسن الشيخ أبو الحسن الندوي -وهو بحق من أعمق الكتّاب المسلمين في عصرنا- رحمه الله تعالى حين قال في بعض كتبه:-"إن الصفة الجامعة لكل المجددين على مدار التاريخ الإسلامي هي قيام الليل"، وقد صدق فهذا الإمام أحمد رحمه الله تعالى يستنكر على محدث زاره يومًا وبات عنده فلم يره قد توضأ من وضوئه الذي أعده له لقيام الليل، فأنكر عليه وقال له:- محدث ولا يقوم الليل؟! فقال له الرجل:- أنا مسافر، فقال له أحمد: ولو كنت

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت