فهرس الكتاب
مسافرًا!. فإذا كان السابقون يستنكرون على المحدث أن لا يقوم الليل، فماذا يقال للذين يريدون أن يحيوا الأمة ويجددوا لها أمر دينها إذًا؟!
ثمّ كيف لهؤلاء أن يزعموا التجديد وهم أشد الناس بعدًا عن القرآن وقراءته والعلم به، وهم الذين يرفعون شعار العودة للكتاب والسنة، مع أن القرآن يشكو لله من هجران المسلمين له؟!
إن التجديد يبدأ من القرآن الكريم قبل كل شيء، فإن الأمة إن فقهت القرآن على أنه كتاب الحياة الذي يجيب على أسئلتهم، ويحل لهم قضاياهم حينها تضع قدمها على الطريق الصحيح، أما الوقوف على تراث السلف والإنشغال به فإنه لا يحقق التجديد، نعم قد تكون خطوة تعين المرء في فهمه للكتاب، لكنها يجب أن لا تكون بديلًا عن العودة للكتاب مباشرة، هذا إن كان إحياء تراث السلف بريئًا من التجارة وخالصًا لوجه الله وتحقيق التجديد مع إدراك أن إحياء تراث السلف لا يعني إستدعاء مشكلاتهم وقضاياهم لنعيد حروبهم التي حاربوها في وقتهم، حتى مع وجود هذه القضايا في بؤر صغيرة متفرقة في العالم الإسلامي، وخاصة حين تبتلى الأمة بقضايا أعظم وأشد وأخطر، حينها يكون الإستدعاء هروبًا من واجب الوقت ومعركة المسلمين، مع ما في ذلك من ضعف في الإدراك والنظر والفقه، وقلة عقل وتحقيق.
وقاصمة أخرى في يومنا هذا، إذ هناك من يريد أن يعيش معارك السابقين دون وجود موجبها اليوم، وإن وجدت فهي مقموعة قليلة ضعيفة، وهناك من يعيش قضايا زمانه دون قواعد وعلوم وفقه السلف، بل هو يزعم التجديد على وجه يعني تغيير الدين وتبديله، وكلا الفريقين على غير هدى، إذ الواجب أن يعيش المهتدي عصره، ويكون فقيهًا به، محيطًا بقضاياه، وهو مع ذلك يلزم أصول الصحابة رضوان الله عليهم ومن اهتدى بهديهم في فهمه لكتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
{والله يحب المحسنين}
إنه لن يتحقق الوعد الإلهي بالنصر والتمكين لأحد دون أن يتحقق له حب الله تعالى، وحب الله تعالى إنما يكون لأهل الإحسان، فهم عباد لله تعالى، يديمون ذكره، ويقيمون شرائعه في أنفسهم وفي بيوتهم وفي حياتهم، ويأخذون بعزائم الأمور، لأنهم الكبار، والكبار لا تصلح لهم الصغائر ولا الأخذ بالزلات والشبهات وهم أهل عمل وعلم، وأهل قراءة طويلة لما يكتب ويقال، ولما يقع في الحياة من أحداث وقضاياه، حينها يحصل إكرام الله لهم. {إقرأ وربك الأكرم} .
إلى هنا تمت الوصفة الإيمانية الرائعة في علاج القرح الذي أصاب الصحابة رضي الله عنهم في أحد، وهذه هي المعالجة الثانية بعد المعالجة الأولى التي تقدمت من قوله تعالى (( يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالًا ... ) )إلى قوله تعالى (( ليس لك من الأمر شيء ... ) )وبدأت هذه المعالجة بقوله تعالى (( قد خلت من قبلكم سنن ... إلى قوله تعالى (( فأتاهم الله ثواب الدنيا .... ((
وقد رأينا في هذه الوصفة معالجة القضايا اللاحقة بالقرح، حيث أعادت الآيات شعور العزة الإيماني، وذلك بعد أن افتتحت ذكر تاريخ الإيمان وصراعه مع الجاهلية ثمّ ذكرت العاقبة، لأنها الأهم، ثم أتت على ذكر ما يقع في الطريق الموصل لهذه العاقبة من آلام وجراح وأذى للمؤمنين وأن هذا من سنن الطريق، وليس غريبًا عنه، فليس للإيمان سنن