فهرس الكتاب

الصفحة 111 من 553

خاصة به إلا بكون العاقبة له، وقد أتت الوصفة الربانية على علل وحكم وقوع البلاء والألم في المؤمنين، وأن هذه العلل والحكم مقاصد ربانية تتلاءم مع الإيمان وعاقبته في الدنيا والآخرة، وذلك أن الجنة ليست سلعة رخيصة حتى تنال بالكسل والخنوع والرغد ذلك بأن الإيمان مبتلى حتى يثبت صدقة.

ومن خصوصية هذه الوصفة أنها أتت على مفهوم الموت، وشدة وقعه على النفوس، وأهمية خبرة المؤمنين به، مع إرتباط الموت مع فقدان الأحبة، وتقويم هذه المسألة لربط الإيمان بمفهومه القيمي المطلق فوق الأشخاص حتى لو كان هؤلاء الأحبة هم الأنبياء أنفسهم، وأتت الوصفة على قدرية الموت مع ربط هذه القدرية الحتمية مع مفهوم الثواب والعقاب، وأن الموت وإن كان قدرًا سابقًا فإن الثواب هو اختيار انساني نابع من إرادته هو، وذلك في تنبيه خفي إلى أن الأهم هو ثواب الآخرة، أي ما بعد الموت.

ضمّت الوصفة الإيمانية بذكر تاريخ الأنبياء مع قضية الآلام والقروح والأذى الواقع عليهم وعلى أتباعهم، والإشادة بالموقف الواجب الذي يجب على التالين أن يسلكوه اقتداءً بالسابقين المهدييين من أئمتهم، وما هي أقوالهم وأفعالهم ومواقفهم مع هذه الآلام والقروح والقتل الواقع عليهم.

إن أهم معالم هذه الوصفات الإيمانية هي امتلاؤها بالمفاهيم الأخروية، وإرشادها إلى العلاقة الخاصة بين حملة هذا الدين وخالقهم الذين يعملون من أجل مرضاته، فهم بشر وهم أبناء هذه الأرض وأبناء هذه الدنيا لكنهم مع ذلك يعيشون من أجل الآخرة، وهم يبتغون رضى الله قبل تحقيق الثواب الدنيوي المحبوب لكل الناس. هذا المعلم يشاركه معلم آخر مهم وواضح وهو بيان الحقائق العلمية الحقيقية مع تأثير مشارك لهذه المفاهيم على حياة المؤمن والجماعة المؤمنة، فهو لا يضعها كأرقام جامدة تعالج أفكارًا إنسانية فحسب، لكن يضعها مفاهيم إيمانية لها تأثير على علم الإنسان وعقله ووجدانه وإحساسه، فهي مفاهيم تتغلغل في حياة الإنسان، وداخل كل عروقه ومفاصل وجوده وتحركاته، فينفعل بها سلوكًا ووجدانًا، وعقلًا وقلبًا، من غير ثنائية متضادة، بل باعتبار الإنسان كلًا واحدًا، حيث تتوجه هذه المعارف القرآنية إلى عقله وفكره فتقومها، وإلى إرادته فتبعثها للعمل، وإلى رغبته ورهبته فتجعله إنسانًا أخرويًا يعيش للجنة والخوف من النار، وتقوم مقاصده فتصنعه ربانيًا، له ذوق للمعاني والمشاعر الحقيقية لا الشعرية الوهمية.

هذه صبغة الله (( ومن أحسن من الله صبغة ونحن له عابدون ) ).

وههنا وقفة يسيرة مع اسلوب القرآن الكريم، حيث يفتتح القرآن القضية التي يريد بيانها، وذلك من خلال مقدمات ملائمة لها، كما رأينا أن قضية أحد افتتحت بالنفاق وذكر غزوة بدر وما وقع فيها، ثم يأتي ذكر المسألة، ومن خلال طرحها يتم شبكها مع قضايا الإيمان والحياة الأخرى، فيتم شرح هذه القضايا المرافقة، فإن تم المراد عاد القرآن إلى القضية الأولى، وهذا الأسلوب الرباني قد يبدو لمن لا ينعم النظر إنقطاعًا عن القضية، وليس كذلك، بل هذا من أعظم طرق التربية والتعليم، ذلك لأن هذا التفريع وهذا الربط يؤكد وحدة العلوم، فالأوامر الشرعية لها صلة مع قضايا العقائد كما يسموها، وقضايا النسك ترتبط مع مسائل الإجتماع، وكذلك مسائل المال والنفس والحكم والقضاء، وأهم خيط جامع لكل قضايا القرآن هو ربطها بالعبودية والدار الآخرة وآثارها النفسية على المهتدي، وتعليق على المنكرين والجاحدين على مرض نفوسهم وقلوبهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت