فهرس الكتاب
هذه الطريقة القرآنية في فتح الأقواس (كما أسميها) أي الوقوف مع القضايا الملحقة بالقضية الرئيسية، وبيان وتفصيلها تصنع تحديًّا للقارئ، وهذا هو أحد الأوامر التي ابتلى الله بها عباده، أي الإجتهاد والبحث والنظر والإستنباط، فالقرآن كما أنه يهدي صاحبه، كذلك هو يتحدى قارأه ليعمل عقله وفكره ونظره، وفهم القضية على وجهها الصحيح تصنع مع العلم متعة الإكتشاف والإستنباط.
إن القرآن لا يضع عناوين كلية للموضوعات، ولا عناوين فرعية كذلك، وتقسيم القرآن على هذا الوجه هو إلقاء لإحدى مهمات القرآن، وهي مهمة التحدي، ولكنه التحدي غير المعجز، Hي إنه تحد يعطي صاحبه مراده إن بذل جهده ووسعه للحصول عليه، فهو تحد لفهم مداركه وعلومه، فهذا كتاب يمتحن قارأه- أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها-، ولذلك جعل الله فيه آيات متشابهات، يشتبه فهمها على فهم البعض وعقولهم، فهذا القرآن تشكل كل آية فيه علمًا مستقلًا، وهي مع غيرها علمًا كذلك، ووجودها في سورة هي إجابة عن قضية أخرى، وهكذا تكون الآية علاجًا لقضايا متعددة بحسب إنفرادها أو إقترانها بغيرها.
إن هذه المسألة في أسلوب القرآن تحتاج إلى مؤلف مستقل لأهميتها وشرح تفاصيلها والتدليل عليها والتمثيل عليها، والمقام لا يتسع لهذا، إنما تكفي الإشارة والتنبيه والله الموفق.
{يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا الذين كفروا يردوكم على أعقابكم فتنقلبوا خاسرين، بل الله مولاكم وهو خير الناصرين}
هذه الآية (( يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا الذين كفروا يردوكم على أعقابكم فتنقلبوا خاسرين ) )تقدم شبيهًا لها وهي قوله تعالى (( يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقًا من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين، وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم آيات الله وفيكم رسوله ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم ) )
والفارق بين الآيتين:- أن الآية التي بين أيدينا إنما تتعلق بطاعة العمل، والآية الأخرى وهي السابقة في نفس السورة -سورة آل عمران- إنما تتعلق بطاعة العلم، ولذلك عاقبة الطاعة في الآية الأولى قوله (( يردوكم بعد إيمانكم كافرين ) )وعاقبة الطاعة في الآية الثانية قوله تعالى (( يردوكم على أعقابكم فتنقلبوا خاسرين ) )هذا أولًا. ثانيًا:- إن الآية الأولى كانت في سياق علاقة المسلمين بأهل الكتاب خاصة، وخاصة العلاقة العلمية، لأن الآيات التي سبقتها تتحدث عن هذه العلاقة وخاصة بعد قولهم:- (( وقالت طائفة من أهل الكتاب آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره لعلهم يرجعون ) )وقوله (( وإن منهم لفريقًا يلوون ألسنتهم بالكتاب لتحسبوه من الكتاب وما هو من الكتاب ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون ... ) )وغيرها التي تبين إستقلال المسلم في مصادره بعيدًا عن أهواء أهل الكتاب وبدعهم وضلالاتهم، وأما هذه الآية فإنها ضمن سياق الرد على ضلالات المنافقين في فهمهم لواقعة أحد وما وقع فيها من القروح، وقد سمى الله المنافقين هنا كفارًا، كما سماهم في الآية التي ستأتي وهي قوله تعالى (( يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا وقالوا لإخوانهم ... إلى قوله تعالى والله بما تعملون بصير ) )وسواء كانوا هؤلاء كفارًا من أهل المدينة أو منافقين فإن المقصود واحد في الأمرين، وهم أصحاب الضلالة في فهم أحد وما وقع فيها، فإن دعوتهم هو ترك الجهاد لما يلحقهم فيه من القتل والموت.