فهرس الكتاب
ثالثًا:- يشهد لهذين الأمرين، وهو أن الطاعة في الآية الأولى طاعة علمية وأن الطاعة في الآية الثانية طاعة عملية أن الآية الأولى جعل الله الحجة في ترك طاعة المؤمن للكافر في علم من علوم القرآن والسنة قوله (( وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم آيات الله وفيكم رسوله ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم ) )وأما الحجة في ترك طاعة المؤمن للكافر في موقف من مواقف الحياة وصراعاتها هو قوله (( بل الله مولكم وهو خير الناصرين ) )، فجعل ترك أتباعهم في الأول نتيجته الهداية وأما في الثانية فهو النصر.
رابعًا:- كانت نتيجة الطاعة العلمية هو الكفر لقوله تعالى (( يردوكم بعد إيمانكم كافرين ) )وأما طاعتهم في مواقف الحياة وصراعاتها هو الخسارة لقوله (( يردوكم على أعقابكم فتنقلبوا خاسرين ) ). لقد جاءت هذه الآية التي بين أيدينا إرشادًا عامًا في بيان حقيقة الآخر والنهي عن طاعته والإلتفات إلى مواقفه، وهي تنبيه إلى موانع حصول النصر وإكتساب المعارك، وبالتالي هو تحصين داخلي من حصول الإختراق، فهي تبين العواقب التي تنتج عن طاعة الكافرين في ما يخص الفئة المؤمنة من مواقف وأعمال.
إن الآيات السابقة هي من أجل البناء العلمي والنفسي، العقلي والوجداني، وأما هذه الآية فمن أجل تحقيق المواقف، فلا استماع ولا طاعة لما يقوله الكافرون لكم، فإنهم وإن بدوا في موقف النصح فإن حقيقتهم هي التخذيل والتدمير الداخلي.
لقد علق الله سبحانه وتعالى في هذه الآية ولايته للمؤمنين ونصره لهم بعدم طاعة الكافرين، لأن من صور خداع هؤلاء الكفرة للمؤمنين هو التزيين لهم أنهم إن أطاعوهم نصروهم أو منعوا عنهم الشر والهزيمة، والقرآن يبطل هذا الزعم والخداع، وذلك بأن الله لا ينصر من يستنصر بغيره، أو يطيع أعداءه، وفي هذا كشف خفي لحقيقة نصح الكافرين وأنه خداع لحصول الخسارة والهزيمة، وربط نصرة الله تعالى وتأييده بهجران الكافرين وعدم طاعتهم.
ومن الواقع المشهود أن فرقًا من الكافرين يأتون إلى المسلمين على وجه النصح لهم، وعماد هذا النصح هو الإبتعاد عن التشدد (زعموا) وترك الجهاد لأنه يسيء لقضاياهم -زعموا وكذبوا-، وهم بذلك يحملون أهل الضعف في أمتنا على طاعتهم، إغترارًا بقولهم ونصحهم-، والقرآن يقرر أن هذا هو حقيقة الخسارة والهزيمة.
إن في القرآن الكفاية والهدي التام لما يحتاجه المسلم في حياته، ونحن هنا في سياق غزوة أحد، وما وقع فيها من القرح والألم والأذى، ولذلك فإن ما ينصح به الكافرون له تعلق بالجهاد وإيمان المؤمنين به وسلوك سبيله، ونصح الكافرين في هذا الباب نشهد اليوم صوره، كما نشهد واقع الذين جعلوا آذانهم تلقي إلى مقالاتهم وأكاذيبهم وخداعهم، فإن عامة من يكون شأنه كذلك أن يكون كارهًا للجهاد، ثالبًا أهله بكل صفات النقص، ومن هؤلاء من يعيش بين أظهر الكافرين وتضلع قلبه أقوالهم وأحكامهم ونصائحهم، إذ قلما تجد فيهم من يؤمن بالجهاد أو يحبه أو يدافع عنه، وإن فعل فإنما هي مواطن الجهاد الذي تتقاطع فيه مصالح المسلمين مع مصالح الكافرين في البلد الذي يجلس فيه ويسمع لقصف العقول فيه من إعلام ومراكز بحث وغيرها.