فهرس الكتاب
لقد وقع الكثير ممن يزعم الفكر والنظر، ويزعم السياسة والحكمة في طاعة الكافرين، وانتهج سبلهم في الحياة، وآمن بقواعدهم وسلوكهم في تفسير الحياة، وخاصة مشاكل المسلمين، وهم قلما ينظرون في كتاب الله أو يهتدون بهديه، وإذا حوججوا به لا يخرج منه إلا قواعد عامة يستخدمها البشر جميعًا، بل ربما يستخدمها أئمة الكفر في تنفير الناس من الجهاد وأهله، ولا تجد في توصيفه لقضايا الأمة إلا كما يخرج من أفواه الجاهليين من الكافرين، وهو مع ذلك يفخر أن أساتذته ورفقاءه ومشاركيه في مؤسسات البحث هم من الذين ضرب الله عقولهم وقلوبهم، فلم يهتدوا للإسلام ولا نوره ولا حقائقه، ومن هؤلاء من هم أهل مكانة في أحزابهم الإسلامية، يجمعهم جامع واحد وهو بغض المجاهدين الصابرين، وحب مناهج الكفر من ديمقراطية وحقوق إنسان على طرائق أهل الكفر، ولذلك هم مخذولون في إرادتهم، لهم ألسن وكلمات وخطب ومقالات طوال، وأما في التضحية والفعل فهم أضعف من ذباب، هذا مع غرور يملأ قلوبهم أنهم هم أهل الفكر والبحث والنظر.
إن القرآن الكريم يحرم على المهتدين به أن يطيعوا الكافرين في قواعد نظرهم وبحثهم فيما يخص الحياة والإجتماع والإقتصاد ومسالك السياسة وأهم من ذلك كله قضايا الجهاد، وعلق القرآن الخذلان والخسارة إن حصلت هذه الطاعة، ومع ذمها البين الواضح في كتاب ربنا إلا أن من قادة المسلمين من يفتخر أنه لم يكن يفهم الحياة، ولا العلوم، ولا مناهج البحث حتى جلس تلميذًا على مقاعد الجاهليين من الكافرين، وسبب ذلك أن هؤلاء لا يعرفون القرآن، ولا يعرفون نوره ولا هديه، وواقعهم مع الكتاب هو واقع من لا يعرف من الكتاب إلا الأماني كما قال تعالى (( ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني وإن هم إلا يظنون ) )فهم أميون جهلة، وحق لمن لا يعلم كتاب الله وما فيه من هدي وإجابة على مسائل الحياة ومشاكلها أن يكون أضل من حمار أهله، حتى وإن تلقب بالألقاب الكبيرة، وأسبغ عليه الأتباع كل هالات المدح والثناء.
إن هذا الموقف وهو طاعة الكافرين إنما يخاف منه وقت القروح والضعف وإنقلاب الريح على المسلمين فإن المسلم وقت العزة والنصر هو أبعد ما يكون عن هذا الموقف وهو طاعة الكافرين، ومع هذا فإن الآية تحذر المؤمنين من طاعة الكافرين في هذا الحال، لأنه كما قالوا قديمًا"إن المهزوم مولع بتقليد الغالب"ولذلك يقول الله تعالى لهم (( بل الله مولاكم وهو خير الناصرين ) )، فلا تنسوا خصائصكم ومبعث نصركم.
إن الخسارة لا تكون بالهزيمة في أرض المعركة، ولا بالقروح التي تصيبكم، بل الخسارة والهزيمة حين يزل إيمانكم في قلوبكم، وحين تتخلوا عن مشاعر العزة، فتسيروا وراء أعدائكم يضلونكم حتى يوردونكم الهزائم، ولذلك فالجمع بين قوله تعالى الذي تقدم (( ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين ) )وبين هذه الآية:- (( إن تطيعوا الذين كفروا يردوكم على أعقابكم فتنقلبوا خاسرين ) )يتبين معنى الهزيمة الحقيقية، وهذا مفهوم قرآني خاص يهدي القرآن إليه، وهو مما يحتاجه المسلم في كل أطوار حياته.
هذه هي القاعدة:- أنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين.
إن تطيعوا الذين كفوا يردوكم على أعقابكم فتنقلبوا خاسرين.