فهرس الكتاب
فالنصر بثبات الإيمان، والخسارة في طاعة الكافرين والدخول في دينهم، والدين ههنا هو المقصود في قوله تعالى (( ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك ) )وليس بمفهومه الإصطلاحي الخاص.
سيأتي هؤلاء الداخلون في طاعة الكافرين بحجج كثيرة، كلها ذكرها القرآن باعتبارها صفات للمنافقين، ولو تتبع هذه الحجج متأمل للقرآن الكريم لوجدها حذو القذة بالقذة عما تقوله اليوم طوائف وشخصيات وأصحاب لحى كلهم يرفعون شعار الإسلام ويزعمون أنهم يعملون له ومن أجل عزته، وفي واقع هم يسارعون في الذين كفروا (( يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة ) )، ولكن تمضي الحياة، ويعمل التاريخ عمله ثم تكون العاقبة للمتقين الصابرين المجاهدين، ويذهب هؤلاء دون تحقيق لأي من مقاصدهم بل يستخدمهم الكفر كمطايا من أجل تنفيذ مآربه.
إن هجران طاعة الكافرين في علومهم ونصائحهم وقيمهم ليس موقفًا من أجل الآخرة فقط كما يظن الجاهلون، بل هو إحدى أركان تحقيق النصر في هذه الدنيا، وليس الربط بين الهزيمة والخسارة وبين طاعة الكافرين ربطًا غيبيًا لا يدركه الناظر والباحث، بل هو ربط سنني تدركه بداهة العقول المهتدية، ويرون وقائعه في الحياة والأحداث، ولذلك من أهم قواعد الصراع هو عدم الجلوس أمام آلة دعاية أعدائك لأنك حين تفعل ذلك إنما يتم تدمير داخلك؛ عقلًا ونفسًا، وهذا منطلق الهزائم، ولذلك أمر القرآن الكريم بعدم الجلوس مع الكافرين حتى وهم يتكلمون خوضًا في الأكاذيب أو الإستهزاء بالدين وعدّ هذا من الدخول في دينهم وحكمهم، قال تعالى في سورة النساء (( وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذا مثلهم، إن الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم جميعًا ) )وقال في سورة الأنعام (( وإذا رأيت الذين يخوضون في آيايتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين ) ).
{سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب بما أشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانًا ومأواهم النار وبئس مثوى الظالمين}
حين يقع البناء المتكامل في الصف المؤمن المجاهد، وحين تعزل عن عوامل الفساد والتدمير، وبعد أن يبقى المؤمنون في مواقفهم اليقينية الثابتة حينها يكون العمل الإلهي فاعلًا في داخل الآخر، ذلك بأن هذا الإلقاء في قلوب الكافرين هو إلقاء سنني، بما يرون من جلد هؤلاء الناس، وثباتهم، وقوة يقينهم، ودوام هجومهم وغزواتهم، فهم قوم لا يهنون، ولا ينكصون، ولا ينقلبون على أعقابهم، فالجراح والقروح والآلام لا يزيدهم إلا يقينًا وثباتًا وإصرارًا، فإن فرغوا من مهمة نصبوا أقدامهم الأخرى، وإن رأوا أمواج الشر ألقوا إليها بصدورهم، فقوم وفئة هذا شأنهم في الحياة، وهكذا يراهم أعداؤهم فماذا سيكون موقفهم منهم بعد ذلك؟. إنه الموقف الذي يقوله الله تعالى هنا (( سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب ... ) )أما إن أحبت هذه الأمة الدنيا، وخافت من الموت، وارتجفت أوصالها كلما قرع لها في الشنان، وزهدت في الآخرة، وأعلت البنيان وخافت ذهابه، وقادها المترفون -الملأ-، وصار همها الدنيا وشهواتها، فإن كان هذا شأن هذه الأمة فإن أعداءها سيتكالبون عليها تكالب الأكلة على قصعتها، وتصبح مهانة لأخس أهل الدنيا، وتستباح لكل كلب يريد منها شهوته، ذلك بأنها أمة تخلت عن دينها، وتركت الجهاد في سبيل الله، فحق عليها سنة الله بالخذلان والهزيمة.