فهرس الكتاب
{وكأين من نبي قتل معه ربيون كثير} لقد قتلت جماعات كثيرة من أتباع الأنبياء، قتلوا في سبيل الله وفي حروب الأنبياء ضد أعدائهم (( فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا ) ).
سأذكر عند كل زاوية وعند كل بيان أن هذا هو فقه القرآن، لأن البناء النفسي في القرآن الكريم هو أهم قضايا البناء، وهو فقه القرآن الحقيقي، وهو الفقه الذي يحقق الشعار واقعًا أننا أمة أعزنا الله بالقرآن ولا عزة لنا مرة أخرى إلا بالقرآن، ومن غير البناء النفسي هذا فإن مجرد تغيير الأفكار كما يظن بعض الدعاة اليوم إنما يصنع رؤوسًا أكبر من قباب المساجد بأرجل أشبه بأعواد الثقاب، وإن هذا البناء النفسي ليس له مجال ولا بيئة ولا تطبيق إلا بالجهاد في سبيل الله، وأن تحيا الأمة على وقع القتل والقتال، مع كل الظروف، مع القوة والضعف، وحين تكون بدر وحين تكون أحد، فالجهاد حياة هذه الأمة، وهو أنفاسها، وهو وقودها، وهو دثارها، فلا تحيا إلا به، ولا يموت أهلها إلا به، وبهذا تتحقق في هذه الأمة صفتة الربانية، وبهذا يحصل لها الشهادة على الخلق.
{قتل معه ربيون كثير} :-
-فما وهنوا ... في مواصلة وملاحقة أعداء الله أينما كانوا.
-وما ضعفوا ... في إرادتهم وعزائمهم في بلوغ أهدافهم ومطالبهم.
-وما استكانوا في عزتهم وشعورهم الإستعلاء على عدوهم حتى في لحظة جراحاتهم وقروحهم.
أي دين عظيم هذا يصنع هذه النفوس في أتباعه؟!
هل هناك كتاب لأمة من الأمم يقول لها هذا الوعظ وهذه الحكم الجليلة العظيمة؟
إنه وعظ يبعث الروح والعزيمة في الرميم البالية، وفي الأبدان الكسيحة الراقدة، ويوقد شعلة الإرادة في الهمم الكسولة الخاملة- ومع ذلك فوعاظنا وفقهاؤنا يقيدون أرجل الإيمان المنطلقة إلى أهدافها، ويحطمون الإرادات التي شاقت إلى الشهادة ولقاء الله. فمن هو أهدى سبيلًا وأقوم دينًا يا أمة الإسلام؟!
هذه صفة الأنبياء، مقاتلون في سبيل الله، يحملون الكلمة البليغة، والحكمة الإنسانية الرقيقة، وهم كذلك يحملون أسلحتهم، ويلبسون لأمتهم، ويعبؤون صفوف الأجناد، ويقوون الصفوف لمواطن الجهاد، ويصرخون صرخات الحرب والقتال، ويضربون هامات الطواغيت بالسيوف والحراب، وهذه صفات أتباعهم، يقاتلون، ويقتلون، ويجرحون، ويفارقون ساحات الوغى وقد فقدوا أحبتهم، وفقدوا بعض أجسادهم، فإذا انقلبوا إلى أهلهم، عادوا لعدة جديدة ولحرب جديدة، فلا وهن، لأنهم في طريق الحق، وفي سبيل الله، ولا يعدون أن فقدان بعضهم وجراحات بعضهم ضعفًا، بل هي ضرورات الطريق الذي سلكوه، ولا يتخاذلون، بل عزائمهم ما زالت في جدتها وقوتها، لأنهم المؤمنون، وما أصابهم من القتل والجراح لا يغير حقيقتة أنهم أهل حق، وأن طريق الجهاد في سبيل الله هي الحق، وأن ما يسمعوه من المخذلين والجاهلين هو كلام منافقين، ومرضى، وطريق الإيمان لا يصلح لهؤلاء المنافقين والمرضى.
هؤلاء الذين لا يهنون في إبتغاء الأعداء بعد القروح والجراح، ولا يشفعون في عزائمهم وإراداتهم للجهاد في سبيل الله تعالى، ولا يفقدون مشاعر العزة الإيمانية التي يعتقدونها هم الصابرون الصبر المحبوب عند الله تعالى - (( والله يحب الصابرين ) )وغير ذلك إنما هو صبر البهائم، وهو صبر المستنكينين الضعفاء المخذولين في إرادتهم،