فهرس الكتاب

الصفحة 98 من 553

تعطي العلاج الإيماني الناجع في هذه اللحظة العصيبة الشاقة، وهو علاج يستفز الإرادة، ويداوي الجراح، ويعبئ النفوس وقودًا ونورًا نحو أهدافها.

هذا العلاج حين يكون من التاريخ وعبرته فإن أول مقاصده أن يربط السامع له والمهتدي له مع سلسلة السند الإيماني، وهذه قضية مهمة تستحق الإلتفات.

إن أشد ما يعانيه المبتلى لحظة إبتلاءه هو شعوره بالفراغ الذي يحيط به، فهو بعد المعركة متألم من جراحه، ووحيد في عراء هذا الألم مع إحباط الهزيمة، وهو شعور مدوٍّ بعمقه في داخل الإنسان، بخلاف النصر، فإن النصر شعور بالإبتلاء والإمتلاك، وذلك كالعائد من سوقه ومتجره وقد امتلأ بالربح الوفير، أما المهزوم فهو فارغ اليد، فارغ النفس، لا يشعر أن أحدًا يحس به أو يأبه لوجوده، وكأنه لا شيء، وهذا يحس به كذلك المبتلى في سبيل الله تعالى بأنواع الإبتلاءات كالسجن مثلًا، فإن يشعر لحظة رميه في زنزانته بالإنقطاع والوحدة والفراغ، وهذا من أشد أنواع الألم الذي يلاقيه الإنسان، فحين يعلم المرء المجاهد والمبتلى بسبب جهاده أنه موصول النسب مع التاريخ، وموصول الحبال مع سند الرجال والذي هو حلقة من حلقاته فإن هذا يملأ فراغ الوحدة التي تصنعها الآلام والجراحات التي يعيشها، ولذلك فتذكير المسلمين بعد أحد بسندهم التاريخي وإنتمائهم لسلف ماضين يمنع عنهم مشاعر الإنقطاع، ويرد في نفوسهم الفراغ المؤلم، فيقع الإنقاذ من خلال ربطهم بحلقة التاريخ الرباني المهتدي.

{وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير} وفي القراءة الأخرى المشهورة {وكأين من نبي قُتل معه ربيون كثير} ، فهذه سيرة النبوة أوّلًا، سيرة النبي المقاتل، وهي سيرة النبي الذي يقذف أتباعه كذلك للقتل، فهي النبوة، وهي سنتها، وسنة أهلها وأتباعها، وسمة من سماتهم، يقتدى بها ويسير التابعون على هديها، وهي سيرة محمد صلى الله عليه وسلم، وهي هديه وطريقته وحياته، لكن هل كان هناك من طلب تغيير هذه السنة واستبدالها؟ نعم لقد كان وقالوا: (( اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون ) )واليوم حيث لا نبوة يقولها أصحاب عمائم ولحى ودعاة فكر للمجاهدين، بل يقولون لهم أسوأ منها:- اقعدوا وارضوا بالخزي والعار والذل والهوان.

هذه الآية تكشف سمة من سمات النبوة الحقيقية، وهي سمة رحيمة على أتباعها، رؤوفة بأحبابها، كما وقع للنبي صلى الله عليه وسلم حين أرسل حبيبه جعفر بن أبي طالب وقد قدم إليه بعد فراق طويل من الحبشة، فأرسله إلى مؤتة ليقتل في سبيل الله هناك، أي إنه أرسله لينال أعظم هدية يمنحها هذا النبي لواحد من أحبابه في أمته، وهي الشهادة في سبيل الله، وهكذا يكون الجهاد في الفقه القرآني، وفي فقه النبوة رحمة للأمة حتى في وقوع القتل فيها، لأن هذا القتل شهادة محبوبة عند الله تعالى، وليس كما يصوره المخنثون النوكى أن القتل في سبيل الله خسارة للأمة، فهؤلاء لا يعلمون أن الأمة المسلمة إن لم يمت شبابها في سبيل الله تعالى ماتوا في سبيل الشيطان كما يشهد لذلك واقعنا.

شخصية النبي في القرآن بحاجة لفقه جديد، وتجديد جديد، لأن خطباء الجبن والخور قد حرقوا الكثير من بخورهم الفاسد، فعميت بسببه الأبصار والعقول؛ وعلى الأمة المهتدية أن ترجم هؤلاء وتلعنهم لأنهم يحرمونهم ميراث الأنبياء وسلوك سيرتهم وطريقتهم، وإن أي فقه مزعوم يلقي بكلمات الصد ضد الجهاد إنما هو فقه ضال منحرف خبيث، ولا يقوله إلا جبان أو جاهل أو مأجور.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت