فهرس الكتاب

الصفحة 97 من 553

بل هو للدنيا، ولذلك هو إختيار آني يرتبط بحصول المنفعة الدنيوية، وأما الموت في سبيل الله فإنه لا يكون كذلك دون خلوص صاحبه من إرادة الدنيا، ولذلك فإن تذكير المؤمن وهو مقبل على الموت بأن ما بعد الموت هو مبتغاه هو تذكير يتناسب مع مهمته وهو أن جهاده يجب أن يكون من أجل الدار الآخرة، وكذلك فراغ الإنسان من مفهوم الثواب والعقاب مع عدم خوفه من الموت يصنع منه آلة تدمير لا إصلاح، وهذا ليس مقصد الجهاد في سبيل الله تعالى، لأن مهمة الجهاد هو إصلاح العالم، لكن قانون الإصلاح الحقيقي هو قانون واقعي يستلزم الجهاد في سبيل الله تعالى بكل آلامه وصعوباته، ولذلك كانت الفاصلة القرآنية في هذه الآية -وسنجزي الشاكرين-.

إذًا هذه قضية ثانية مع الموت وهي قضية ثبات موعد الموت في كتاب سابق لا يتقدمه الإنسان ولا يتأخر عنه، وهي سلاح المؤمن في شجاعته وإقدامه وثباته على طريق الجهاد، وليتعلم أهل الإسلام أن أعظم القضايا التربوية والعلمية والنفسية في القرآن الكريم إنما تعرض من خلال مبحث الجهاد في سبيل الله تعالى، وآثاره ووقائعه مع أمة محمد صلى الله عليه وسلم، فقد رأينا سابقًا نماذج في غزوة بني النضير، وفي غزوة بدر وها هنا نرى أعظم القضايا تطرح خلال حياة الأمة مع الجهاد في سبيل الله تعالى، وهذا يُعَلِّم من يطلب هداية القرآن أن يدرك أن البيئة التربوية والعلمية والعقدية لقضايا القرآن إنما هي بيئة الجهاد في سبيل الله تعالى لا غير، والتربويون يعلمون أن علاقة الفكرة مع البيئة مهمة جدًا، فالقرآن يُعلم ويفسِّر ويَهدي في بيئة تلائم هديه وعلومه وقضاياه، وهذه البيئة هي حياة الجهاد كما نرى.

قوله تعالى {وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين، وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبّت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين، فآتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة والله يحب المحسنين} .

هكذا يُستحضر التاريخ هنا، تاريخ الأنبياء وأتباعهم وسيرتهم من أجل تعليم وإرشاد هذه الأمة المهدية بهداية القرآن الكريم، فما أصابكم يوم أحد من القرح هو عين ما أصاب الأنبياء وأتباعهم من قبل، وهم مع ذلك أنبياء وأتباعهم ربانيون أحباب الله تعالى.

هذا الإستحضار مهم في قضية التقويم والتربية، لأن النموذج حين يُرفع للسالكين يكون حافزًا لهم من أجل المتابعة والمثابرة، وخاصة حين يكون النموذج إنسانيًا، في i ما في الإنسان من شوق، وفيه ما في الإنسان من ضعف، وههنا يأتي النموذج متعددًا وكثيرًا ولذلك لقوله (( وكأين ... ) )ولقوله تعالى (( ربيون ) )على قول من قال من أهل التفسير فيها أن معناها الجموع الكثيرة، والقرآن الكريم ليس معجزة بيانية فقط، ولا معجزة تشريعية وعلمية فقط، لكنه معجز عزيز في تربية أتباعه، لأن يوقفهم مواقف الإرتفاع والعزة في لحظات القرح والألم والأذى، لا بشعور مرضي داخلي، بل بشعور علمي واعي، ولذلك تكون نتائج هذه التربية مذهلة في التاريخ وفي الحاضر وفي الإنسان والحياة، وهذه الآية هي آية شحن نفسي من خلال النموذج الإنساني الإيماني وذلك لحظة ألمه، وما يقول وماذا يشعر وماذا يعمل.

إن دعاة ترك الجهاد كثيرون حين الهزيمة، وإن حججهم القائمة على الوهن والضعف والإستكانة كثيرة على ألسنتهم، وإن الأرضية التي تتلقى خطابهم مهيئة للسماع والقبول، ولكن القرآن الكريم، وهو كلمة الله لأوليائه،

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت