فهرس الكتاب
-يقول الله تعالى في سورة الإسراء: {ولا تقتلوا النفس التي حرّم الله إلا بالحق، ومن قتل مظلومًا فقد جعلنا لوليه سلطانًا فلا يسرف في القتل إنه كان منصورًا} . ففي هذه الآية جعل الله لولي المقتول سلطانًا على القاتل بالقود والقصاص، ولكن إن شط في قصاصه فإن الآية تردعه بقوله تعالى (( فلا يسرف في القتل ) )
والأمثلة على ذلك كثيرة في القرآن، ومنها الأمر بالإحسان بعد الأمر بالعدل لأنه الأكمل والأحسن، وهو الأحب عند الله تعالى.
في هذه الآية التي بين أيدينا، علم الله عباده حقيقة الموت وقدره، لكن هل يلغي هذا مفهوم الأسباب؟ سواء كانت في الحياة الدنيا أو الحياة الآخرة؟
إن الدنيا كما الآخرة تخضعان للأسباب، ولا يوجد شيء بلا سبب، وخاصة الثواب والعقاب، وإن الإنسان بفعله هو الذي يصنع مستقبله الدنيوي والآخروي، فقدر الموت لا يعني غياب إرادة الإنسان وتأثيرها على حياته، ولذلك قال تعالى (( ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها، ومن يرد ثواب الآخرة نؤته منها وسنجزي الشاكرين ) )، ومعنى هذه الآية جاء في آيات متعددة منها قوله تعالى في سورة هود: (( من كان يريد ثواب الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون، أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار وحبط ما صنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون ) )
وقال تعالى في سورة الإسراء (( من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذمومًا مدحورًا، ومن أراد الأخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورًا، كلًا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظورًا ) ).
وقال تعالى في سورة الشورى:- (( من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه، ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وماله في الآخرة من نصيب ) ).
فهذه الآيات هي قواعد العدل الإلهي في الدنيا والآخرة، وهي قواعد يخضع لها الإنسان، كل الإنسان، وهي قواعد سننية لا تحابي المسلم في كسله وعجزه، ولا تظلم الكافر في جده لمبتغاه ومطلبه، فهي تخضع النتائج الدنيوية والآخروية لمراد الإنسان ضمن دائرة الإذن والمراد الإلهي، وهذا مع ما فيه من قهر إلهي للبشر، إلا أن فيه تمام العدل الإلهي، وهذا ما أوجبه الله على نفسه بقوله في سورة هود:- (( إن ربي على صراط مستقيم ) ).
إن سعي الكافرين نحو أهدافهم يوصلهم لمبتغاهم، وإن جبن وخور وكسل وعجز المسلمين من أن يبذلوا وسعهم لتحقيق أهدافهم لا يعصمهم من طحن سنن الحياة لهم، وواقع المسلمين والكافرين يشهد لمقولة الحق هذه بجلاء ووضوح، وهذا من أوجب الواجب أن يتعلمه المسلمون، لأن الناظر اليوم يرى الجهالة متفشية في إدراك عموم القدر وسننه للخلق أجمعين، لا فرق بين مسلم وكافر فيه، ولذلك لن نفتأ نسمع من دعاة الحكمة والنظر في أمتنا -زعموا- أن طريق المسلمين في بناء قوتهم ودولتهم، وإعادة عزتهم تفترق عن طريق الأغيار، مع أن القوة والدول حالة قدرية في مسماها، وإنما الإختلاف في القيم فقط، والإختلاف في القيم هو الذي يجعل هذه دولة مسلمة وهذه دولة كافرة، وهذا الأمر مع سهولته وبداهته في العقول لكن الجهالة به متفشية.
قضية أخرى تطرحها الآية من خلال ربط الموت في مفهوم الثواب والعقاب، وهو أن اختيار المؤمن لأسباب الموت من خلال الجهد والشهادة إختيار يناسب مهمته في هذه الحياة، فالقتال عند الأمم الأخرى ليس سبيلًا للآخرة،