فهرس الكتاب

الصفحة 95 من 553

أن يفسرها بنفسه، تمامًا كقضية وجوده وخروجه لهذه الحياة، ومن هذه القضايا حقيقة الموت، وما هو؟ ومتى هو؟ وما بعده؟. أسئلة كثيرة يقف المرء العاقل المهتدي مسلمًا لخبر الغيْب الرحيم.

هذه الآية جعلت الموت فعلًا قدريًا، فهو مخلوق من مخلوقات الله، ولا يقع إلا بإذن الله، وقد فرغ الأمر منه في كتاب سابق، وهذه مراتب الوجود القدر d:- أولًا العلم به ثم كتابته ثم الأخذ به ثم خلقه، وحين نعيد للأذهان سياق هذه الآية مع الجهاد ومع موقعة أحد، حينها نعلم جاهلية الذين يجعلون الجهاد سببًا للموت أو الهلكة أو فقدان الأحبة، وهذه القاعدة القرآنية ستتوزع في آيات قادمة فيها التقريع للذين يعيبون على المجاهدين جهادهم لأنه أودى بهم إلى الموت والهلكة.

الآيات التي تتحدث عن الموت في القرآن كثيرة، وليس هذا مجال استقصاؤها والحديث التفصيلي عنها، لكن إرتباط المفاهيم الجاهلية حول الموت مع ترك الجهاد في سبيل الله تعالى إرتباط أساسي في حياة الشعوب المسلمة، وقد رأينا اليوم من أصحاب اللحى والعمائم وأهل الفكر والنظر من يردده ويقوله، دون وعي أن الموت قدر آت لا يستطيع القاعد عنه الهروب، كما أن المجاهد لا يستطيع أن يقدمه ولو للحظة واحدة.

حين يعي المسلم هذه القضية مع الموت، ومع ما هو أدنى منه كالسجن والبلاء، والجوع، والفقر، يدرك أن الجهاد منفذ للطاعة والعزة، وأن ما يأتي من أقدار على خلاف مقصد المجاهد هي مكتوبة ستقع عليه شاء أم أبى، حينها يقبل على تنفيذ أمر الله غير هياب ولا متوجس من سوء العاقبة في الدنيا.

لكن ما هي العلاقة بين مفهوم الموت (في سياق الجهاد في سبيل الله، وقروح أحد) مع قضية الثواب والعقاب في قوله تعالى (( ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها، ومن يرد ثواب الآخرة نؤته منها وسنجزي الشاكرين ) )؟

إن من أساليب القرآن التربوية الرائعة أنها تجمع في الآية الواحدة الحقيقة والرد على ما يطرأ عليها من معاني أخرى تشط عن هذه الحقيقة خلاف مقصدها، ولأضرب على ذلك أمثلة:-

-يقول الله تعالى: (( ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ) )وهي آية يكثر إستشهاد العلماء بها في تقرير حقيقة نفي المثلية عن الله في ذاته وصفاته وأفعاله، وهذا قد وقع من بعضهم، فكان قوله تعالى (( وهو السميع البصير ) )رد على هذا الشطط الذاهب مع هذه الحقيقة خلاف مرادها.

-يقول الله تعالى (( ومن يتوكل على الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شيء قدرًا ) )هذه الآية من سورة الطلاق تقرر أثر التوكل في قلب المؤمن على قدر المؤمن الدنيوي، وإن توكله سبب لقضاء حوائجه، وصرف المكروهات عنه، ولكن هذه الحقيقة قد يخطئ الناس في فهمها على وجهها الصحيح، حين يظن أن إرتباط التوكل كسبب لكفاية الله لعبده يلغي مفهوم الصبر، فتوكل المرء لا يستلزم الحصول الفوري للنصر والفرج واليسر، بل لابدّ من أن يتعلم المؤمن أن النتائج تخضع للقدر، وأن حصول النصر والفرج واليسر لابدّ من تأهل القدر اللازم لوقوعها، ولذلك قال تعالى (( إن الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شيء قدرًا ) )، فالفرج والنصر واليسر لابدّ من وقوعها للمتوكل لكن بحصول أسبابها القدرية التي يجريها الله في الخلق، فلابدّ للمؤمن مع التوكل من الصبر حتى تقع كفاية الله له.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت