فهرس الكتاب
أو الداعي هو شكر عملي لله تعالى على هدايته لهذا الطريق، هذا وقد عُلم أن الشكر عمل بالجوارح كما هو عمل بالقلب واللسان، وفيها بشارة أن العاملين سيصلون إلى مبتغاهم ما داموا ثابتين على ما هم عليه.
هذه الآية هي شعار كل فئة مجاهدة يصاب فيها قائدها أو بعض قادتها بالموت أو القتل، وهي لهذه الفئة مبشرة أن الجزاء قادم ما داموا ثابتين، وأما إن حصل الوهن والضعف والإنقلاب على الأعقاب فإن دورة الجهاد ستذهب لغيرهم، وسيكون هؤلاء هم وراثها وحملتها الجدد، ولو ربط الناظر بين هذه الآية وبين الآيات الخاتمة في سورة محمد (القتال) رأى معاني جامعة بينهما يصدق بعضها بعضًا، فالحمد لله رب العالمين.
هذه أول قضية نفسية وعقلية تعالجها هذه الآية مع الموت، ونحن نلاحظ أمرًا جديرًا بالإهتمام في طريقة القرآن في عرض القضايا اليقينية العقلية، فهو لا يعرضها في إطارها العقلي المجرد عن الإنسان بمجموعه، لأن الإنسان ليس عقلًا فقط، ولا يعرضها كمسألة وجدانية في إطار شعري حالم، لأن الإنسان بمجموعه ليس كذلك، بل يعرضها في إطار جامع لما عليه الإنسان بكليته، فهو عقل وعاطفة وإدراك وشعور، ومع هذا فهو يجمعها مع قضية الإنسان المسلم في هذه الحياة ومهمته الكبرى وهي مهمة الرسالة والشهادة على الخلق، ويحيطها بإحاطة تامة لخاتمة مهمة وهي الأجر الأخروي لأن الأجر الأخروي هو الركن الثالث من أركان الشخصية المسلمة المهتدية، ذلك بعد العبودية والمتابعة، وهذا ما يجعل القرآن كتاب الإنسان، وكتاب الإيمان، وكتاب العبودية لله تعالى، ولكن أهم قضية في الإنسان هي نفسيته، إذ يعلق القرآن هداية المهتدي على الرغبة والرهبة، ويعلق ضلال الضال على الشهوة والهدى، وأما الجانب العقلي فهو تبع لذلك، لأن القضايا القرآنية هي قضايا يقينية فطرية، واجبة في العقل، والمعترض عليها معترض بالهوى أو الغفلة أو الكبر، وهي أسس الضلال والكفر، ومع أن الموت قضية يومية ويقينية للإنسان إلا أن الإنسان يطغى وينسى، وطغيانه ونسيانه يمنعانه من الإعتبار والتحضير له، والمهتدي هو من يعلم الموت على حقيقته ويعمل لما بعده من خلال هذا الوجود الدنيوي القصير.
{وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابًا مؤجلًا، ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها، ومن يرد ثواب الآخرة نؤته منها وسنجزي الشاكرين}
كانت الآية السابقة عرضًا للموت من خلال شخصية الحبيب المصطفى، إذ كان الموت محنة من خلال تصور فقدان النبي صلى الله عليه وسلم، ثم كانت هذه الآية التي تقرر حقيقة كلية للموت، مع إرتباط الموت مع قضية الثواب والعقاب.
إن الغمرات والمحن، وإن القتال والجهاد، وإن الشجاعة والإقدام، وإن وقوف المرء أمام تيار الصعاب والسيوف والرماح لا يغير حقيقة أن الموت كتابًا مقدرًا لا يتقدم ولا يتأخر، فالموت ككل مسائل القدر الإنساني قد تم الفراغ منها، وقد تمت كتابتها في لوح سابق على الخلق ووجودهم، وهذه قضية لا يمكن لأحد أن يجادل فيها ككل مسائل القدر كالجبر والإختيار، والوجود والعدم، وما على المرء سوى التسليم لخبر الغيْب، لأن المرء لا يملك أي برهان يدفعها أو يقبلها، وهي إحدى محن الإنسان مع أخبار الرسل والأنبياء.
الموت حقيقة مرئية، وهو حقيقة قاهرة لما يرغبه الإنسان وهما الخلد والملك الدائم، وهما مدخل الشيطان مع أبينا آدم عليه السلام- {هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى} -، ولكن هناك قضايا تتعلق بالموت لا يستطيع المرء