فهرس الكتاب

الصفحة 93 من 553

لخضوعه لقوانين البشر وأحوالهم ونهايتهم، وذكرهم بأمثاله من اخوانه الأنبياء السابقين الذين رحلوا عن هذه الدنيا.

لقد جاء الخطاب بوصف محمد صلى الله عليه وسلم"بالرسول"فهي مهمته وهي أشرف المهمات وأعظمها، فهو يحمل لكم رسالة الله حتى إذا مهمته رحل عنكم كما رحل الرسل السابقون بعد اداء مهمتهم، فهل أمتثالكم لأمر الرسالة مربوط بشخصه أم بحمل هذه الرسالة وأداء مهمتها وأوامرها كما أمركم الله تعالى؟

ياتي الموت هنا قدرًا لازمًا للبشر، غير خاضع لمفهوم الحب والكره الإلهيان، فلا خروج لنوع الإنسان عنه مهما بلغ حب الله له، ولا استباق وتعجيل له مهما بلغ بغض الله له، فهو قدر لازم ومحتوم في وقت محدد معلوم، وموت إنسان ما لا يعني بطلان دعوته، وبقاء إنسان ما في الحياة وإطالة عمره لا يعني قبول الله له، فالموت ليس ميزانًا لشيء من هذا، بل هو قدر إنساني يصيب أعظم البشر وأكفر البشر، ولا يؤثر أبدًا في ترجيح أحد الامرين أو الشخصين، ووضع النبي صلى الله عليه وسلم ضمن سياق قدر الله في النبوة والأنبياء تذكير بسنن التاريخ وجريانها على الحياة وعدم تخلقها، وهو إرتقاء بالصحابة رضي الله عنهم إلى وعيهم على التاريخ وعلى أنفسهم أنهم حلقة من حلقات التاريخ، وأنهم ضمن سياق حركة النبوة على هذه الأرض، وهذا ما يريده القرآن من المسلمين وفي كثير من المواطن فيه.

الرسل قد يقتلون ويموتون، هذا ظاهر من هذه الآية، وربط الدعوة أو حلقة من حلقاتها ببقاء الداعي الأول حتى تتحقق الدورة كاملها إلى النصر النهائي فهم باطل تبنته بعض المذاهب والحركات والدعوات، فكان القدر أغلب منهم فمات الداعي ولم يتحقق لهم ذلك، ولذلك كان الفاروق عمر رضي الله عنه يظن أن الرسول لن يموت حتى يقضي الله به على الكفر في الأرض، فلما مات شك في موته ووقع منه ما وقع، وهذا الذي حدث لعمر يقع منه لبعض الدعاة إذ يُربط شخص الداعي بحلقة من حلقات النّصر، ويجعل هذا الربط دليلًا على المنهج الذي يدعو إليه، وتتماهى شخصية هذا الداعي حتى تكبر أكثر من الدعوة نفسها في نفوس الأتباع، وحين يقع القدر، وهو الأغلب لا الأفكار، يكتشف الناس خطأ الفهم والمنهج، وانحراف هذا الربط بين الأمرين، وهذا يعني أن وقود الحماس الذي يجب أن يحمله الأتباع لا ينبغي أن يتأثر بفقدان القادة والأئمة، بل يجب الإقدام كما كان زمن وجوده بلا تأثر ولا إنقلاب.

نعم لقد جاء ضمان إلهي بحماية النبي صلى الله عليه وسلم من القتل بقوله تعالى (( والله يعصمك من الناس ) )كما في سورة المائدة ولكن هذه الخصوصية لمعنى خاص من عدم القتل، وهي ليست لغيره، ولا تحميه من الموت، ومن حكم هذه الآية أنها حذرتهم من الإنقلاب على الأعقاب، والذي وقع من الصحابة رضي الله عنهم في موقعة أحد أنهم أصيبوا بالذهول حين سمعوا بمقتل النبي صلى الله عليه وسلم، وبعضهم رمى سلاحه، فكان هذا هو الإنقلاب على الأعقاب لا الردة عن الإسلام وتغيير الدين، وهو يعني أن ترك الجهاد في الحزن المرضي والوهن النفسي إنقلاب على المنهج وتغيير في السبيل والطريق.

ومن تأمل قوله تعالى (( ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئًا ) )علم صدق ما تقدم من القول، وهو أن ترك الجهاد لا يضر هذا الدين بل يضر أصحابه الذين تخلوا عن نصرته ومتابعة الأعداء بالقتل والقتال والجهاد في سبيل الله تعالى، وقوله تعالى (( وسيجزي الله الشاكرين ) )دلت على أن الثبات على الطريق إن مات القائد أو المعلم

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت