فهرس الكتاب
وهذا بلاء متكرر سيعيشه المجاهد كثيرًا في كل موطن من مواطن الجهاد وهي حواضر الموت مظانه، وخاصة حين تكون الريح على المؤمنين حينها يصبح إقتراب الموت كثيرًا من النفوس.
الآية تحمل خبرًا ليس فيها دلالة واضحة على مفهوم معين، فهي لا تحمل دلالة ردّ ولا نهي ولا أمر ولا تشجيع، لكن يكفي أنها تحمل دلالة شدة الموت وأسبابه وقسوته، وكذلك تحمل دلالة أن الأماني شيء في النفوس، وواقعها على هذه النفوس عند وقوعها شيء آخر، وهذا فيه الكفاية لتعليم السابقين حكمة من حكم الحياة التي يجب أن لا ينقادوا بها للتالين الذين يعيشون قسوة الحياة من خلال الكلمة أو من خلال الأماني الجميلة أو الأحلام الوردية، فإن هذه الآية عند أهل التفسير عبرة للذين طلبوا الخروج من المدينة لملاقاة المشركين، يدفعهم لذلك الحماس، غير آبهين للموت ولا شقائه، وإن كان هذا ليس من الغلط في شيء، فالآية لا تنهاهم ولا تردعهم عن ذلك، لكن تبين لهم المفارقة بين تمني الشيء وبين رؤيته، وهنا تبرز ضرورة الحكماء وأهل الخبرة والتجربة، وهو معنى من معاني قوله تعالى (( وليمحص الله الذين آمنوا ) )فإن التمحيص هو علم وخبرة وحكمة للذين يبقون ويثبتون ويتابعون مهمات الجهاد في سبيل الله تعالى.
سيعاني أهل الخبرة دومًا من التالين، وربما سيعيّروا في مواقف معينة بالخوف من الموت أو القتل، وربما يضطر السابقون في موقف من المواقف أن يرضخوا لرأي التالين كما رضخ رسول الله صلى الله عليه وسلم لرأيهم بالخروج إلى أحد، وستبقى هذه كالعلاقة الجدلية بين أمرين متعارضين، ولكن هذا لا يجعل أحد الرأيين أولى من الآخر، فإن الحماس والأماني هي وقود الحياة لكثير من المقامات والدرجات، وإن الحكمة والخبرة ضرورتان من ضرورات النجاح، وليس أحدهما بأولى من الآخر، والحكيم يوفق بينهما لتكون النتائج أقرب إلى النجاح والنّصر، لكن إن وقع بعض القروح فالتقريع لا يكون لأحدهما وإنما يكون للمعصية وحب الدنيا كما سيأتي من الآيات.
{وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل إنقلبتم على أعقابكم، ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئًا وسيجزي الله الشاكرين}
هذه أول قضية من قضايا محنة الموت في هذا الموطن، وهي محنة فقدان الأحبة، وهي محنة تهز الوجدان والقلب ثم الفكر والعقل، ومصيبة الموت وصدمته تحتاج إلى عقل ومهتدي، ووجدان صلب في تلقي هذا الحدث الشديد، ومع هذا التقويم لمحنة الموت مع الأحبة يتم تقويم إرتباط الإعتقاد والتصور مع الإنسان، فالحق دائم مطلق لا يرتبط بزمانه مكان، بل هو اعتقاد حي يسير فوق الزمان والمكان، وإلا مهما علا شأنه هو شأن عابر محدود بزمانه، ولذلك من التقويم والإرشاد أن يعلم المسلم أن الحق الذي يؤمن به ليس خاضعًا للحوادث والأزمنة ولا بشخوص مرحلة من المراحل، ولذلك كان النموذج لهذه الأمثولة هو رسولنا صلى الله عليه وسلم.
هذا الرسول الذي إقترن الحق في أذهان الصحابة رضي الله عنهم بشخصه الكريم، إذ لم يعرفوا الحق والهدى والنور إلا من خلاله، وكذلك تجسدت الأوامر والنهي في حياته وأفعاله، فكان إرتباط الحق بشخصه عظيمًا في الذهن والقلب، ومع ذلك يقول لهم الله تعالى أن الحق مطلق فوق الزمان والمكان والأشخاص، وهذا الرسول زائل