فهرس الكتاب

الصفحة 91 من 553

المرء بالفقر الذاتي أمام الموت داع أكبر لإدراكه بوجوب خضوعه الشرعي لصاحب الغنى الذاتي وهو الله سبحانه وتعالى.

في آيات متعددة تنبيه أن المتأخر عن السابق في الموت لا يعني خروجه عن القدر اللازم له بالموت، ففي سورة الشعراء يقول الله تعالى: (( أفرأيت إن متعناهم سنين ثم جاءهم ما كانوا يوعدون، ما أغنى عنهم ما كانوا يمتعون ) )وهي آية تنغص على المترفين الغافلين حياتهم مهما كانت المتع في حياتهم.

وفي سورة الأحزاب يقول الله تعالى: {قل لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو القتل وإذًا لا تمتعون إلا قليلًا} ، وهي آية سنأتي إليها في سياق غزوة الأحزاب إن شاء الله تعالى.

وفي سورة الأنبياء يقول الله تعالى: {قل إنما يوحى إليَّ أنما إلهكم إله واحد فهل أنتم مسلمون، فإن تولوا فقل آذنتكم على سواء، وإن أدري أقريب أم بعيد ما توعدون، إنه يعلم الجهر من القول ويعلم ما تكتمون، وإن أدري لعله فتنة لكم ومتع إلى حين} ؛ وفي سورة البقرة (( ولتجدنهم أحرص الناس على حياة ومن الذين أشركوا يود أحدهم لو يعمر ألف سنة وما هو بمزحزحه من العذاب أن يعمر والله بصير بما يعملون ) )وهذه الآية هي أول آية في القرآن تتحدث عن الموت، وجعلت الرغبة في الموت محطة فارقة بين الصالحين وغيرهم من المشركين وبني إسرائيل.

فالزمن في النعيم الدنيوي حالة ترقب لما بعده من السلب، وهذا فيه الكفاية لحصول الخوف وعدم الإطمئنان، وفقدان اللذة وعدم الإستمتاع بها، ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول:- لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلًا ولبكيتم كثيرًا.

القرآن الكريم يعالج قضية الموت ها هنا ضمن قضية الشهادة والجهاد في سبيل الله تعالى لارتباطها الوثيق، فالخوف من الموت عائق من عوائق الجهاد، والأفكار الجاهلية عن الموت وقدره مانع من موانع محبة الشهادة وأسبابها والإقدام عليها، ولذلك يأتي الحل القرآني لهذه المعضلة.

في هذه السورة (آل عمران) ، وفي مواطن الحديث عن غزوة أحد يتم البيان والرد على الأفكار الجاهلية، وعلى تصورات المنافقين حول هؤلاء الذين لم dحصل لهم القتل بسبب الجهاد في سبيل الله تعالى، لأن من صور أساليب المنافقين في صد المؤمنين عن الجهاد هو تخويفهم بالموت، فإن وقع ذهب هؤلاء المنافقون بتقريع المؤمنين أن الجهاد هو سبب مقتلتهم وموتهم.

في هذه الآية يقول المفسرون إن كلمة الموت تعني هنا القتال في سبيل الله تعالى، لأن الصحابة رضي الله عنهم الذين حضروا بدر تمنوا أن يحصل لهم قتال حتى يعوضوا ما فاتهم من أجر الجهاد في بدر، وهذا أسلوب من أسلوب العرب في تسمية الشيء باسم سببه، فلما كان القتال سببًا للموت سمي باسمه، وهذا حق، ولكن لابدّ من معنى رباني في تسمية ما تمنوه موتًا، أي معنى زائدًا عن مجرد القتال، والذي أظنه أن في هذه الآية تظاديب للصحابة وتعليم أن الموت ليست أمنية هنية، وأن رحلة المؤمنين معه بالجهاد في سبيل الله قضية بلاء ومعاناة وصبر، فإن الكثير من الناس ومنهم المؤمنون بتمنون أمورًا في وقت السعة والراحة، ولا يتصورون حقيقة ضدها حتى يعيشونها ويلمسونها عن قرب، فإذا ذاقواها حقًا عرفوا وجهها الصحيح، والآية تتحدث عن رؤية الموت، إذًا قد يحصل الموت مرات متعددة وفي مواطن كثيرة حيث يلمسه المرء ويقترب منه فيحس به إحساس الواقع به،

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت